أبو حامد الغزالي
94
تهافت الفلاسفة
الحركة الدورية ، وأما الحوادث فيما يحويه معقر فلك القمر ، وهو العناصر الأربعة ، بما يعرض فيها من كون وفساد ، وامتزاج وافتراق ، واستحالة من صفة إلى صفة ، فكل ذلك حوادث مستند بعضها إلى بعض في تفصيل طويل ، وبالآخرة تنتهى مبادئ أسبابها إلى الحركة السماوية الدورية ، ونسب الكواكب بعضها إلى بعض أو نسبتها إلى الأرض . فيخرج من مجموع ذلك أن الحركة الدورية الدائمة الأبدية ، مستند الحوادث كلها ، ومحرك السماء حركتها الدورية نفوس السماوات ، فإنها حية نازلة منزلة نفوسنا بالنسبة إلى أبداننا ، ونفوسها قديمة ، فلا جرم أن الحركة الدورية التي هي موجبها أيضا قديمة ، ولما تشابهت أحوال النفس لكونها قديمة ، تشابهت أحوال الحركات ، أي كانت دائرة أبدا . فإذن لا يتصور أن يصدر الحادث من قديم إلا بواسطة حركة دورية أبدية ، تشبه القديم من وجه ، فإنه دائم أبدا ، وتشبه الحادث من وجه ، فإن كل جزء يفرض منها ، كان حادثا بعد أن لم يكن ، « 1 » فهو من حيث أنه حادث بأجزائه وإضافاته ، مبدأ الحوادث ، ومن حيث أنه أبدى متشابه الأحوال ، صادر عن نفس أزلية ؛ فإن كان في العالم حوادث فلا بد من حركة دورية ، وفي العالم حوادث فالحركة الدورية الأبدية ثابتة . قلنا : هذا التطويل لا يغنيكم ، فإن الحركة الدورية التي هي المستند حادثة أم قديمة ؟ ! فإن كانت قديمة فكيف صار مبدأ لأول الحوادث ؟ ! وإن كان حادثا افتقر إلى حادث آخر ، وتسلسل الأمر ، وقولكم : إنه من وجه يشبه القديم ، ومن وجه يشبه الحادث ، فإنه ثابت متجدد ، أي هو ثابت ، التجدد ، متجدد الثبوت ، فنقول : أهو مبدأ الحوادث من حيث إنه ثابت ، أو من حيث إنه متجدد ؟ ! فإن كان من حيث إنه ثابت ، فكيف صدر من ثابت متشابه الأحوال شئ في بعض الأوقات دون بعض ؟ ! وإن كان من حيث إنه
--> ( 1 ) لعل صوابه « فهي » .