أبو حامد الغزالي

92

تهافت الفلاسفة

جسم قابل للصور ، متشابهة بالضرورة ! وتلك الخاصية لا يستحقها ذلك الموضع لمجرد كونه جسما ، ولا بمجرد كونه سماء ، فإن هذا المعنى يشاركه فيه سائر أجزاء السماء ، فلا بد أن يكون تخصيصه به ، بتحكم ، أو بصفة من شأنها تخصيص الشئ عن مثله ، وإلا فكما يستقيم لهم قولهم : إلا الأحوال في قبول وقوع العالم فيها متساوية ! يستقيم لخصومهم قولهم : أن أجزاء السماء في قبول المعنى الذي لأجله صار ثبوت الوضع أولى به من تبدل الوضع ، متساوية ؛ وهذا لا مخرج منه . الإلزام الثاني : تعين جهة حركة الأفلاك ، بعضها من المشرق إلى المغرب ، وبعضها بالعكس ، مع تساوى الجهات ، ما سببها ، وتساوى الجهات كتساوى الأوقات من غير فرق ؟ ! فإن قيل : لو كان الكل يدور من جهة واحدة ، لما تباينت أوضاعها ، ولم تحدث مناسبات الكواكب ، بالتثليث ، والتسديس ، والمقارنة ، وغير ذلك ، ولكان الكل على وضع واحد لا يختلف قط ، وهذه المناسبات مبدأ لحوادث في العالم . قلنا لسنا نلتزم عدم « 1 » اختلاف جهة الحركة بل نقول : الفلك الأعلى يتحرك من المشرق إلى المغرب والذي تحته بالعكس ، وكل ما يمكن تحصيله بهذا يمكن تحصيله بعكسه ، وهو أن يتحرك الأعلى من المغرب إلى المشرق ، وما تحته بالعكس في مقابلته فيحصل التفاوت ؛ وجهات الحركة بعد كونها دورية ، وبعد كونها متقابلة ، متساوية ؛ فلم تميزت جهة عن جهة تماثلها ؟ ! . فإن قالوا : الجهتان متقابلتان متضادتان . فكيف تتساويان ؟ ! . قلنا : هذا كقول القائل : التقدم والتأخر في وجود العالم متضادان ، فكيف يدعى تساويهما ؟ ! وكما زعموا أنه يعلم تشابه الأوقات المختلفة . بالنسبة إلى إمكان الوجود ، وإلى كل مصلحة يمكن فرضها في الوجود ، فكذلك يعلم « 2 »

--> ( 1 ) في نسخ إسقاط هذه الكلمة ، وقد اختارته طبعة بيروت وهو خطأ . ( 2 ) أي ندعى أنه يعلم .