أبو حامد الغزالي
83
تهافت الفلاسفة
بدخول الدار فلا يقع في الحال ولكن يقع عند مجيىء الغد وعند دخول الدار ، فإنه جعله علة بالإضافة إلى شئ منتظر ، فلما لم يكن حاضرا في الوقت - وهو الغد والدخول - توقف حصول الموجب على حضور ما ليس بحاضر ، فما حصل الموجب إلا وقد تجدد أمر وهو الدخول أو حضور الغد ، حتى لو أراد أن يؤخر الموجب عن اللفظ غير منوط بحصول ما ليس بحاصل ، لم يعقل ، مع أنه الواضع وأنه المختار في تفصيل الوضع ، فإذا لم يمكننا وضع هذا بشهواتنا ، ولم نعقله ، فكيف نعقله في الإيجابات الذاتية العقلية الضرورية : وأما في العادات ، فما يحصل بقصدنا لا يتأخر عن القصد مع وجود القصد إليه إلا لمانع ، فإن تحقق القصد والقدرة ، وارتفعت الموانع ، لم يعقل تأخر المقصود ، وإنما يتصور ذلك في العزم لأن العزم غير كاف في وجود الفعل ، بل العزم على الكتابة لا يوقع الكتابة ، ما لم يتجدد قصد - هو انبعاث في الإنسان متجدد حال الفعل - . فإن كانت الإرادة القديمة في حكم قصدنا إلى الفعل ، فلا يتصور تأخر المقصود « 1 » إلا لمانع ، ولا « 2 » يتصور تقدم القصد ، فلا يعقل قصد في اليوم إلى قيام في الغد إلا بطريق العزم ، وإن كانت الإرادة القديمة في حكم عزمنا ، فليس ذلك كافيا في وقوع المعزوم عليه ، بل لا بد « 3 » من تجدد انبعاث قصدي عند الإيجاد وفيه قول بتغير القديم ، ثم يبقى عين الأشكال في أن ذلك الانبعاث أو القصد أو الإرادة أو ما شئت فسمه ، لم حدث الآن ولم يحدث قبل
--> ويرد أنصار القدم : أن هذه الحجة جزئية ، ويمكننا أن نقول : أن العالم قديم ، لا الإنسان . ويخرج القديس توما من هذه المناقشة بأن الحدوث لا يعلم ألا بالإيمان ، وبأن في اعتبار ذلك فائدة لمن يدعى إثبات العقائد بالبرهان ، فلا يأتي بحجج غير قاطعة لئلا يظن بنا أننا إنما نتمسك بالعقائد استنادا إلى مثل هذه الحجج . فما أظهر التمييز هنا بين الإيمان والعقل ! » . تاريخ الفلسفة الأوربية في العصر الوسيط ص 182 ، 3 ، 4 دار الكاتب المصري . تلكم هي حكاية القديس توما للمشكلة ، وذلكم هو رأيه بصددها ، وهو رأى يختلف عما لابن سينا والغزالي . أنه يجعل الحدوث والقدم ممكنين ، أما ابن سينا فإنه يجعل الحدوث مستحيلا ، وأما الغزالي فيجعله واجبا . وبهذا نجد أنه قد تولد عندنا رأى ثالث في المسألة . ومن رأى القديس توما الرجوع بمسألة الحدوث إلى الأمين ونصوصه ؛ أما محاولة استمدادها من هذه الحجج القابلة للنقاش والنقد ؛ فإن فيه - مع إضعاف فكرة الحدوث - إضعافا للعقيدة الدينية جملة ؛ إذ يظن بها أنها مستقاة من مثل هذه الحجج . وهو رأى شبيه بما سجلناه - في المقدمة - للغزالي وديكارت . ( 1 ) كذا في كل النسخ التي تحت يدي بما فيها طبعة بيروت ، والصواب « تأخر المراد » لأن الحديث عن الإرادة القديمة مقيسة إلى القصد الذي اعتبر حكمه معروفا مسلما ، وكذلك يقال فيما يأتي له من قوله « في وقوم المعزوم عليه » فالصواب « في وقوع المراد » لما مر . ( 2 ) لعل العبارة هكذا : « وكما لا يتصور تقدم القصد . . . إلى قوله إلا بطريق العزم ثم يزاد : لا يعقل إرادة في اليوم إلى إيجاد في الغد » وإلا كان في العبارة اضطراب لا يخفى . ( 3 ) لعل العبارة هكذا : « فكما لا يكفى العزم على الشئ لإيجاده ، بل لابد من انبعاث قصدي عند الإيجاد ، كذلك لابد في القديم - لو كانت إرادته بمثابة العزم - من تجدد شئ هو بمثابة القصد في الإنسان ، وفيه قول بتغير القديم . . . إلخ » وبدون ذلك تكون العبارة مضطربة .