أبو حامد الغزالي

81

تهافت الفلاسفة

فإن قيل : هذا محال بين الإحالة ، لأن الحادث موجب ومسبّب ، وكما يستحيل حادث بغير سبب وموجب ، يستحيل وجود موجب قد تمّ بشرائط إيجابه وأركانه وأسبابه ، حتى لم يبق شئ منتظر البتة ، ثم يتأخر الموجب ؛ بل وجود الموجب عند تحقق الموجب بتمام شروطه ضروري ، وتأخره محال ، حسب استحالة وجود الحادث الموجب بلا موجب .

--> على ضرورة أحد الحدين وإسقاط الآخر ؛ فلئن كان اللّه - منذ الأزل - علة كافية للعالم ، وكان فاعلا بذاته ، على ما يقول أنصار القدم ؛ إلا أنه ليس يلزم من ذلك جعل العالم صادرا عنه إلا بحسب ما استقر في إرادته . أما أدلة أرسطو فليست برهانية . وقد صرح هو في كتاب الجدل بأن مسألة قدم العالم من المسائل الجدلية . ( ح ) كذلك ليس يمكن إثبات الحدوث بالبرهان ، لا من جهة اللّه كما أسلفنا ، ولا من جهة العالم ؛ فإن الماهيات مجردة عن خصوص المكان والزمان ، فليس يمكن أن نثبت حدوث الإنسان أو السماء أو الحجر ( ويعلق الأستاذ يوسف كرم على هذه الحجة بقوله : « هذه الحجة فيها نظر ، والعلم الراهن يحسب عمر الأرض وعمر الإنسان على سطح الأرض ، وبنوع خاص يقول بتناقص الطاقة ، مما قد يميل بنا إلى نظرية الحدوث » ) . ولأنصار القدم ردود مقنعة على حجج أنصار الحدوث : يقول هؤلاء : أن كل مصنوع فهو حادث . ويرد أولئك : أن هذا يصدق على المفعول بالحركة ، الذي لا يوجد إلا عند نهاية الفعل ، أما الخلق ففعل آنى ، وهو - إذن - لا يقتضى تقدم الفاعل على المفعول بالمدة . يقول أنصار الحدوث إذا كان العالم مصنوعا من العدم ، فهو موجود بعد أن لم يكن موجودا . ويرد أنصار القدم : ليس القصد من المقدم أن العالم مصنوع بعد العدم ، بل إنه ليس مصنوعا من شئ . يقول أنصار الحدوث : لو كان العالم قديما ، لكان مساويا للّه في المدة . ويرد أنصار القدم : أن الوجود الإلهى حاصل كله دفعة واحدة ، ووجود العالم حاصل بالتعاقب ، فليست هناك مساواة . يقول أنصار الحدوث : لو كان العالم قديما ، لكان قد سبق هذا اليوم أيام لامتناهية ، ولما كان بلغ إلى هذا اليوم ، من حيث أن عبور اللامتناهى مستحيل . ويرد أنصار القدم : الانتقال يكون دائما من طرف إلى آخر ، وأي يوم ماض أخذت ، فالأيام التالية إلى يومنا هذا متناهية ، وقد أمكن قطعها . وهذه الحجة إنما تنهض لو كان بين الطرفين أوساط لا متناهية . يقول أنصار الحدوث : لو كان العالم والتوليد قديمين لتقدم ناس في عدد لامتناه ؛ ونفس الإنسان خالدة ، فيلزم أن يوجد الآن بالفعل نفوس إنسانية في عدد لا متناه ، ومحال أن يوجد عدد لا متناه بالفعل .