أبو حامد الغزالي

8

تهافت الفلاسفة

« وأما كون المعلول ممكن الوجود في نفسه ، واجب الوجود بغيره ، فليس يناقض كونه دائم الوجود بغيره ، كما نبهت عليه « 1 » » إذا كان ابن سينا يسلك هذا المسلك العقلي ، غير مبال بما عسى أن يكون هنالك من نصوص دينية ، تفيد بظاهرها ، حدوث العالم ؛ فإن الغزالي يعول أيضا على العقل وحده في إثبات حدوث العالم فيقول مخاطبا ابن سينا والفارابي : « بم تنكرون على من يقول : إن العالم حدث بإرادة قديمة اقتضت وجوده في الوقت الذي وجد فيه ، وأن يستمر العدم إلى الغاية التي استمر إليها ، وأن يبتدئ الوجود من حيث ابتدأ ، وأن الوجود قبله لم يكن مرادا ، فلم يحدث لذلك ، وأنه في وقته الذي حدث فيه مراد بالإرادة القديمة ، فحدث لذلك ، فما المانع من هذا الاعتقاد وما المحيل له ؟ فإن قيل هذا محال بيّن الإحالة ؛ لأن الحادث موجب ومسبّب ، وكما يستحيل حادث بغير سبب وموجب ، يستحيل وجود موجب قد تم بشرائط إيجابه وأركانه وأسبابه ، حتى لم يبق شئ منتظر البتة ، ثم يتأخر الموجب ؛ بل وجود الموجب عند تحقق الموجب بتمام شروطه ، ضروري ، وتأخره محال ، حسب استحالة وجود الحادث الموجب بلا موجب . . . والجواب أن يقال : استحالة إرادة قديمة متعلقة بإحداث شئ - أىّ شئ كان - تعرفونه بضرورة العقل أو نظره ؟ وعلى لغتكم في المنطق ، تعرفون الالتقاء بين هذين الحدين ، بحد أوسط ، أو من غير حد أوسط ، فإن ادعيتم حدّا أوسط - وهو الطريق النظري - فلا بد من إظهاره ، وإن ادعيتم معرفة ذلك ضرورة ، فكيف لم يشارككم في معرفته مخالفوكم ، والفرقة المعتقدة لحدوث العالم بإرادة قديمة لا يحصرها بلد ولا يحصيها عدد ، ولا شك في أنهم لا يكابرون العقول عنادا مع المعرفة ، فلا بد من إقامة برهان - على شرط المنطق - يدل على استحالة ذلك . . . فإن قيل نحن بضرورة العقل نعلم أنه لا يتصور موجب بتمام شروطه من غير

--> ( 1 ) المصدر السابق ص 128 .