أبو حامد الغزالي

62

تهافت الفلاسفة

مقدمة ليعلم أن الخوض في حكاية اختلاف الفلاسفة تطويل ، فإن خبطهم « 1 » طويل ، ونزاعهم كثير ، وآراءهم منتشرة ، وطرقهم متباعدة متدابرة ، فلنقتصر على إظهار التناقض في رأى مقدمهم الذي هو الفيلسوف المطلق ، والمعلم الأول ، فإنه رتّب علومهم وهذّبها بزعمهم ، وحذف الحشو من آرائهم ، وانتقى ما هو الأقرب إلى أصول أهوائهم ، وهو « رسطاليس » ؛ وقد رد على كل من قبله ، حتى على أستاذه الملقب عندهم بأفلاطون الإلهى « 2 » ، ثم اعتذر عن مخالفته أستاذه بأن قال : أفلاطن صديق والحق صديق ولكن الحق أصدق منه . وإنما نقلنا هذه الحكاية ليعلم أنه لا تثبت ولا اتقان لمذهبهم عندهم ، وأنهم يحكمون بظن وتخمين ، من غير تحقيق ويقين ، ويستدلون « 3 » على صدق

--> ( 1 ) وفي نسخة « خطبهم » . ( 2 ) في تسميته بالإلهى أقوال ، فمن قائل ، سمى بذلك لأنه أول من جعل الألوهية نظرية فلسفية ، ومن قائل كانوا يعتقدون أنه انحدر من سلالة الآلهة . ( 3 ) لا أعرف عن الفلاسفة هذا الاستدراج الذي يدعيه الغزالي وينسبه إليهم ، وإنما الذي أعرفه أن للفلاسفة منهجا في التربية درجوا عليه في تنشىء تلامذتهم . ذلك أن العلوم النظرية تنقسم عندهم - كما حكى الغزالي نفسه في كتاب « مقاصد الفلاسفة » - إلى « ثلاثة أقسام ، لأن الأمور المعقولة لا تخلو : إما أن تكون بريئة عن المادة والتعلق بالأجسام المتغيرة المتحركة ، كذات اللّه تعالى . . . الخ وإما أن تكون متعلقة بالمادة ، وهذه لا تخلو إما أن تكون بحيث تحتاج إلى مادة معينة ، حتى لا يمكن أن تتحصل في الوهم بريئة عنها ، كالإنسان . . . لخ . وإما أن يمكن تحصيلها في الوهم بريئة عن مادة معينة ، كالمثلث والمربع . . . إلخ . فإن هذه الأمور - يعنى المثلث وأشباهه - لا يتقوم وجودها إلا في مادة معينة ، ولكن ليس يتعين لها في الوجود مادة خاصة ، لا كالإنسان فإن مفهومه لا يمكن أن يحصل الا في مادة معينة . . . والعلم الذي يتولى النظر فيما هو برئ عن المادة بالكلية هو العلم الإلهى ، والعلم الذي يتولى النظر فيما هو برئ عن المادة في الوهم لا في الوجود هو الرياضى ، والذي يتولى النظر فيما لا يستغنى عن المواد المعينة هو الطبيعي » . فهذه العلوم - كما ترى ، وكما يذكر الغزالي نفسه في « مقاصد الفلاسفة » - مترتبة بحسب موضوعها « فالعلم الإلهى يسمى العلم الأعلى » ، ومعنى ذلك أنهم لا يبدؤن به ، بل يكون آخر المطاف ، « والعلم الرياضى يسمى العلم الأوسط » ، ومعنى ذلك أنه يأتي بعد شئ وقبل شئ ، « والعلم الطبيعي يسمى العلم الأدنى » ، ومعنى ذلك أنه يجئ في البداية ، فهم كانوا يراعون التدرج الطبيعي ، فالمحسوسات لكونها حاضرة مألوفة ، يتيسر البدء بها ، ثم لا ينبغي القفز منها إلى العلم الإلهى الذي يبحث في المجردات الصرفة بل يجب أعداد الذهن لذلك بمزاولة الرياضيات التي تدرس أمورا إن لم تتجرد عن المادة خارجا فقد أمكن للوهم تجريدها عنها ، فهو إذن قنطرة يمكن العبور عليها إلى العلم الأعلى . هذا هو مقصدهم . ويؤيد ذلك منهج أفلاطون في الجمهورية من أنه كان يتدرج بالناشئة من علم إلى علم ، ومن فن إلى فن ، وأيضا هذه العبارة التي كانوا يكتبونها على أبواب معاهدهم « لا يدخل عندنا من لم يكن رياضيا » ففي ضوء هذا البيان إذا أخذ الفلاسفة الطريق على من يريد الخوض في الإلهيات قبل أن يستعد لذلك بمزاولة المنطق والرياضة لم يكونوا يقصدون بذلك إلا أن يوجهوه التوجيه الصحيح في نظرهم ، لا أن يستدرجوه على هذه الصورة التي يصورهم بها الغزالي ، والتي تشعر بأن ذلك منهم ضرب من ضروب الخداع والمراوغة . والأمر في نظري بين لا يحتمل الخلاف فإنه إذا أراد المرء أن يأخذ العقيدة مفلسفة وأن يزج بنفسه في مضايق الإشكالات التي افتن فيها الفلاسفة ، فلا بد له من التمرس قبل ذلك بفنون من العلم كما يشترط الفلاسفة ، أما إذا أراد أن يأخذ العقيدة سمحة نقية ، فلا حاجة به إلى الرياضة ، ولا إلى شئ مما عند الفلاسفة ، بل ينبغي أن يتجه بادىء ذي بدء إلى الكتاب والسنة . على أنه ليس يبعد أن يكون قد وقع للغزالي مناظرة في الإلهيات مع بعض المتفلسفة في عصره ، لجأ فيها إلى الحيلة التي يذكرها الغزالي خلاصا من الحرج ، أو يكون الغزالي قد سمع أو قرأ عن واقعة كهذه . ومن حفظ حجة على من لم يحفظ .