أبو حامد الغزالي

6

تهافت الفلاسفة

ويصرح في مواضع كثيرة من « 1 » كتابه بأن غرضه من تأليف كتابه هذا هو هدم الفلسفة وزعزعة ثقة الناس فيها ، وهل يكون فيلسوفا من يثبت أن الفلسفة عمل فاشل ؟ هذان سؤلان يثيرهما اعتبار كتاب « تهافت الفلاسفة » - الذي يحاول هدم الفلسفة - داخلا ضمن دائرة الفلسفة . والإجابة عليهما بالسلب أو بالإيجاب ، تتطلب قبلا تحديد معنى الفلسفة في نظر المسلمين ، ففي ضوء هذا التحديد يمكن القول بأن كتاب التهافت داخل ضمن - أو خارج عن - دائرة الفلسفة . فلو اتسع معناها لشمول ما يكون بحثا فيها وحكما عليها ، ولو بأنها سخف وهذيان ، صح اعتبار كتاب التهافت كتاب فلسفة ، وان ضاق معناها عن قبول مثل هذه المحاولة ، لم يصح اعتبار كتاب التهافت كتاب فلسفة . فما هي الفلسفة الإسلامية إذن ؟ أهي مجموعة الآراء التي ارتآها الفارابي وابن سينا ومن نحا نحوهما ، في اللّه والنفس الإنسانية مثلا ، دون نظر إلى الطريق التي تأدوا منها إلى هذه الأقوال ؟ إن كان ذلك هو ما اصطلح على تسميته بالفلسفة الإسلامية ، فكتاب التهافت ليس منها ؛ لأنه محاولة لهدم هذه الآراء والتشنيع عليها . إلا أنه - في هذه الحال - لا بد من التساؤل عن مبررات تخصيص ما لابن سينا والفارابي من آراء - دون ما لغيرهما - باسم الفلسفة ؛ فإن قصر اسم الفلسفة على طائفة من الأفكار - - دون طائفة أخرى - إذا لم يدخل في اعتبار المسمى رعاية طريق خاص لاستمداد الأفكار منه ، يكون تحكما صرفا ، وإذ لا مبررات هناك تدعو لذلك ، فلا بد من البحث لاسم الفلسفة عن معنى آخر . ولعل هذا المعنى الآخر هو : العمليات الفكرية ، والمحاولات العقلية التي يراد بها التوصل إلى الحق والاهتداء إلى الصواب وعندي أن هذا المعنى أليق باسم الفلسفة وأجدر بها ، وفي محيطه يقع العمل

--> ( 1 ) خذ مثلا قوله : « ليعلم أن المقصود تنبيه من حسن اعتقاده في الفلاسفة ، وظن أن مسالكهم نقية عن التناقض ، ببيان وجوه تهافتهم » وقوله : « ونحن لم نلتزم في هذا الكتاب إلا تكذيب مذهبهم ، وأما إثبات المذهب الحق فسنصنف فيه كتابا بعد الفراغ من هذا »