أبو حامد الغزالي

59

تهافت الفلاسفة

[ خطبة الكتاب ] بسم اللّه الرحمن الرحيم نسأل اللّه بجلاله الموفى على كل نهاية ، وجوده المجاوز كل غاية ؛ أن يفيض علينا أنوار الهداية ، ويقبض عنا ظلمات الضلال والغواية ؛ وأن يجعلنا ممن رأى الحق حقا فآثر اتباعه واقتفاءه ، ورأى الباطل باطلا فاختار اجتنابه واجتواءه ؛ وأن يلقينا السعادة التي وعد بها أنبياءه وأولياءه ؛ وأن يبلغنا من الغبطة والسرور والنعمة والحبور - إذا ارتحلنا عن دار الغرور - ما ينخفض دون أعاليها مراقي الأفهام ، ويتضاءل دون أقاصيها ، مرامى سهام الأوهام ؛ وأن ينيلنا - بعد الورود على نعيم الفردوس ، والصدور من هول المحشر - ما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ؛ وأن يصلى على نبينا للمصطفى ، محمد خير البشر ، وعلى آله الطيبين ، وأصحابه الطاهرين ، مفاتيح الهدى ، ومصابيح الدجى ، ويسلم تسليما . أما بعد فإني قد رأيت طائفة يعتقدون في أنفسهم التميز عن الأتراب والنظراء ، بمزيد الفطنة والذكاء ، قد رفضوا وظائف الإسلام من العبادات ، واستحقروا شعائر الدين : من وظائف الصلوات ، والتوقي عن المحظورات ، واستهانوا بتعبدات الشرع وحدوده ، ولم يقفوا عند توقيفاته وقيوده ، بل خلعوا بالكلية ربقة الدين ، بفنون من الظنون ، يتبعون فيها رهطا يصدون عن سبيل اللّه ويبغونها عوجا وهم بالآخرة هم كافرون ؛ ولا مستند لكفرهم غير تقليد سماعى إلفىّ « 1 » كتقليد اليهود والنصارى ؛ إذ جرى على غير دين الإسلام نشؤهم « 2 » وأولادهم ، وعليه درج أباؤهم وأجدادهم ؛ وغير بحث نظري ، صادر عن التعثر بأذيال الشبه ، الصارفة عن صوب الصواب ، والانخداع « 3 » بالخيالات المزخرفة كلا مع

--> ( 1 ) نسبة إلى الألف بمعنى العادة . ( 2 ) لعلها « نشوء أولادهم » . ( 3 ) أي وصادر عن الانخداع .