أبو حامد الغزالي

44

تهافت الفلاسفة

الشخص لمجرد أنه ذكره في كتابه ، بل ينبغي لهم أن يعرفوا أولا الظروف التي أحاطت بالمؤلف ، حين ألف الكتاب الذي هم بصدد التأريخ له منه ، هل ألفه لنفسه ، أو لغيره ، وتحت تأثير أي عامل من العوامل ألّفه ؟ * * * ولّى الغزالي وجهه شطر الفلاسفة ، ليجرى عليهم امتحانه هذا ! والفلاسفة هم أولئك القوم الذين يلجأون إلى العقل في مسالكهم العلمية ، تناول الغزالي بحوثهم التي تعرضوا فيها لموضوعات العقيدة ، علّه يجد لديهم من فنون المحاولات العقلية ما يقطع بصحة ما ذهبوا إليه بشأنها ، فوجدهم قد اختلفوا فيها اختلافا كبيرا « لقد رد رسطا ليس على كل من قبله ، حتى على أستاذه الملقب بأفلاطون الإلهى ؛ ثم اعتذر عن مخالفته أستاذه بأن قال : أفلاطون صديق ، والحق صديق ، ولكن الحق أصدق منه . وإنما نقلنا هذه الحكاية ، ليعلم أنه لا تثبت ولا إتقان لمذهبهم عندهم ، وأنهم يحكمون بظن وتخمين ، من غير تحقيق ويقين » . وسرعان ما أدرك الغزالي أن مزاولة العقل لهذه المهمة إقحام له فيما لا طاقة له به ، وأن أسلوب العقل في تفهم الأمور لا يمكن أن تخضع له المسائل الإلهية « 1 » قال : « ونوضح أن ما شرطوه في صجة مادة القياس في قسم البرهان من المنطق ، وما شرطوه في صورته في كتاب القياس ، وما وضعوه من الأوضاع في أيساغوجى وقاطيغورياس التي هي من أجزاء المنطق ومقدماته لم يتمكنوا من الوفاء بشئ منه في علومهم الإلهية » . لذلك خرج الغزالي بهذه النتيجة « أين من يدعى أن براهين الإلهيات - يعنى عند الفلاسفة - قاطعة كبراهين الهندسيات » . وما دامت براهين الإلهيات عند الفلاسفة لا تنتهى في الوضوح إلى الحد الرياضى الذي يشترطه الغزالي فلا بد له من أن ينفض يده منها .

--> ( 1 ) ولا يلزم من هذا أن ينفض الغزالي يده من العقل ، فلعله يسلمه إلى وسيلة تكون هي التي توصله إلى الحقيقة ، كما حصل له مع منهج المتصوفة .