أبو حامد الغزالي

41

تهافت الفلاسفة

في المحسوسات ، ومن أين الثقة بها ؟ ! وأقوى الحواس حاسة البصر ، وهي تنظر إلى الظل فتراه واقفا غير متحرك ، وتحكم بنفي الحركة ، ثم بالتجربة والمشاهدة بعد ساعة تعرف أنه متحرك ، وأنه لم يتحرك دفعة بغتة ، بل على التدريج ذرة ذرة ، حتى لم تكن له حالة وقوف . وتنظر إلى الكوكب فتراه صغيرا في مقدار دينار ، ثم الأدلة الهندسية تدل على أنه أكبر من الأرض في المقدار . هذا وأمثاله من المحسوسات يحكم فيها حاكم الحس بأحكامه ويكذبه حاكم العقل ويخوّنه تكذيبا لا سبيل إلى مدافعته » . بطلت ثقة الغزالي بالحواس فلم يبق له إلا العقل ، ولا بد له من اختباره أيضا « قالت المحسوسات : بم تأمن أن تكون ثقتك بالعقليات كثقتك بالمحسوسات ، وقد كنت واثقا بي فجاء حاكم العقل فكذبني ، ولولا حاكم العقل لكنت تستمر على تصديقي ، فلعل وراء إدراك العقل حاكما آخر ، إذا تجلى كذب العقل في حكمه ، كما تجلى حاكم العقل فكذب الحس في حكمه ، وعدم تجلى ذلك الإدراك لا يدل على استحالته . فتوقفت النفس في جواب ذلك قليلا ، وأيدت إشكالها بالمنام وقالت : أما تراك تعتقد في النوم أمورا ، وتتخيل أحوالا ، وتعتقد لها ثباتا واستقرارا ، ولا تشك في تلك الحالة فيها ، ثم تستيقظ فتعلم أنه لم يكن لجميع متخيلاتك أصل وطائل ، فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحس أو عقل بالإضافة « 1 » إلى حالتك التي أنت فيها ؟ . لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك كنسبة يقظتك إلى منامك ، وتكون يقظتك نوما بالإضافة إليها ، فإذا وردت تلك الحالة تيقنت أن جميع ما توهمت خيالات لا حاصل لها ؛ ولعل تلك الحالة ما تدعيه الصوفية أنها حالتهم . . ولعل تلك الحالة هي الموت قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » . . . فلما خطرت لي هذه الخواطر ، وانقدحت في النفس ، حاولت لذلك علاجا

--> ( 1 ) أي « هو بالإضافة . . . إلخ »