أبو حامد الغزالي
297
تهافت الفلاسفة
--> - عليه الصلام والسلام - عن وجوده ، بوجه من هذه الوجوه الخمسة ، فليس بمكذب على الإطلاق . أما الوجود الذاتي فهو الوجود الحقيقي الثابت خارج الحس والعقل وأما الوجود الحسى ، فهو ما يتمثل في القوة الباصرة من العين مما لا وجود له خارج العين ، وذلك كما يشاهد النانم . . . إلخ . وأما الوجود الخيالي ، فهو صورة هذه المحسوسات إذا غابت عن حسك . . . إلخ وأما الوجود العقلي فهو أن يكون للشئ روح وحقيقة ومعنى ، فيتلقى العقل مجرد معناه ، دون أن يثبت صورته في خيال أو حس أو خارج ، كاليد مثلا ، فإن لها صورة محسوسة ومتخيلة ، ولها معنى هو حقيقتها وهو القدرة على البطش ، والقدرة على البطش ، هي اليد العقلية . . . إلخ . وأما الوجود الشبهى ، فهو ألا يكون نفس الشئ موجودا ، لا بصورته ، ولا بحقيقته ، لا في الخارج ، ولا في الحس ، ولا في الخيال ، ولا في العقل ، ولكن يكون الموجود شيئا آخر يشبهه ، في خاصة من خواصه ، وصفة من صفاته . . . إلخ » ولا أحب أن أطيل عليك باستيفاء هذه الأقسام وشرحها فإنه يطول ، بل ربما جر إلى نقل الكتاب كله ، فارجع إليه بنفسك ، فهو صغير وجيز . * * * أرأيت إلى هذه الأقسام الخمسة ، وإلى اتساع مداها ، وإلى حكمه الصريح بأن من يثبت الوجود لشئ مما أخبر الرسول بوجوده ، على نحو من هذه الأنحاء الخمسة يكون مصدقا . أرأيت إلى هذه المسائل التي كفر بها الغزالي الفلاسفة في كتابه « التهافت » وإلى المسائل التي أوهم أنهم ربما يكفرون أيضا بها ، وأن آراءهم حولها لا يمكن أن تخرج عن هذه الدائرة الفسيحة بحال من الأحوال ، أن من أول النصوص ، وحاول التوفيق بين النص والعقل ، لا يخرج صنيعه عن هذه المراتب بحال ، وفي هذه الحدود كل صنيع الفلاسفة . * * * هذا هو الغزالي في كتابة « التهافت » متزمت متشدد إلى أبعد حدود التشدد والتزمت ، وهذا هو الغزالي في كتاب « فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة » سمح سهل إلى أبعد حدود السهولة والسماحة ، فلا بد أن يكون الغزالي في كتابه « التهافت » غيره في كتبه الأخرى ، وهذا ما شرحناه وافيا ، أول الكتاب . * * * ( وبعد ) فلقد قصدت في هذا العمل ، إلى هدف معين ، أسأل اللّه أن أكون قد اهتديت إليه ، أو قاربت ؛ وأن أكون قد أدركت الكمال فيه ، أو شارفت ، وهو يتلخص فيما يلي : ( ا ) التعريف بالغزالي ، تعريفا صحيحا ، يساعد على فهم اتجاهاته الفكرية ، بعد أن ظل - فيما قرأت عنه - مجهولا ، من هذه الناحية ، طوال حقب سحيقة .