أبو حامد الغزالي

272

تهافت الفلاسفة

ولا يمكن سلب جميع هذه الصفات عن النفس ، ومحوها بالكلية ، فإن الضرورات البدنية ، جاذبة إليها ، إلا أنه يمكن تضعيف تلك العلاقة ، ولذلك قال اللّه تعالى : « وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وارِدُها ، كانَ عَلى رَبِّكَ حَتْماً مَقْضِيًّا » ، إلا أنه إذا ضعفت العلاقة ، لم تشتد نكاية فراقها ، وعظم الالتذاذ بما اطلع عليه ، عند الموت من الأمور الإلهية ، فأماط أثر مفارقة الدنيا ، والنزوع إليها ، على قرب ، كمن يستنهض من وطنه ، إلى منصب عظيم ، وملك رفيع « 1 » ، فقد ترق نفسه حالة الفراق ، على أهله ووطنه ، فيتأذى أذى ما ، ولكن ينمحى بما يستأنفه ، من لذة الابتهاج بالملك والرئاسة . ولما لم يمكن سلب هذه الصفات ، فقد ورد الشرع في الأخلاق ، بالتوسط بين كل طرفين متقابلين ، لأن الماء الفاتر ، لا حار ولا بارد ، فكأنه بعيد من الصفتين ، فلا ينبغي أن يبالغ في إمساك المال ، فيستحكم فيه الحرص على المال ولا في الإنفاق ، فيكون مبذرا ، ولا أن يكون ممتنعا عن كل الأمور ، فيكون جبانا ، ولا منهمكا في كل أمر ، فيكون متهورا ، بل يطلب الجود ، فإنه الوسط بين البخل والتبذير ، والشجاعة ، فإنها الوسط بين الجبن والتهور ، وكذا في جميع الأخلاق . وعلم الأخلاق طويل ، والشريعة بالغت في تفصيلها ، ولا سبيل إلى تهذيب الأخلاق ، إلا بمراعاة قانون الشرع ، في العمل ، حتى لا يتبع الإنسان هواه ، فيكون قد اتخذ إلهه هواه ، بل يقلد الشرع ، فيقدم ويحجم بإشارته ، لا باختياره فتتهذب به أخلاقه . ومن عدم هذه الفضيلة في الخلق والعلم جميعا ، فهو الهالك ، ولذلك قال اللّه تعالى : « قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاها ، وَقَدْ خابَ مَنْ دَسَّاها » . ومن جمع الفضيلتين ، العلمية والعملية ، فهو العارف العابد ، وهو السعيد المطلق .

--> ( 1 ) في الأصل « مرتفع » .