أبو حامد الغزالي
268
تهافت الفلاسفة
مسألة في إبطال إنكارهم لبعث الأجساد ، ورد الأرواح إلى الأبدان ، ووجود النار الجسمانية ، ووجود الجنة والحور العين ، وسائر ما وعد به الناس . وقولهم : إن كل ذلك أمثلة ضربت لعوام الخلق ، لتفهيم ثواب وعقاب روحانيين ، هما أعلا رتبة من الجسمانيين : وهذا مخالف لاعتقاد المسلمين كافة ، فلنقدم تفهيم معتقدهم في الأمور الأخروية ، ثم لنعترض على ما يخالف الإسلام من جملته . وقد قالوا : إن النفس تبقى بعد الموت بقاء سرمديا ، إما في لذة ، لا يحيط الوصف بها لعظمها ، وإما في ألم لا يحيط الوصف به لعظمه ؛ ثم قد يكون ذلك الألم مخلدا ، وقد ينمحى على طول الزمان . ثم تتفاوت طبقات الناس في درجات الألم واللذة ، تفاوتا غير محصور ، كما يتفاوتون في المراتب الدنيوية ولذاتها ، تفاوتا غير محصور ، فاللذة السرمدية ، للنفوس الكاملة الزكية ؛ والألم السرمدي ، للنفوس الناقصة الملطخة ؛ والألم المنقضى ، للنفوس الكاملة الملطخة ؛ فلا تنال السعادة المطلقة ؛ إلا بالكمال والتزكية والطهارة ؛ والكمال بالعلم ؛ والزكاء بالعمل . ووجه الحاجة إلى العلم ، أن القوة العقلية ، غذاؤها ولذتها ، في درك المعقولات ؛ كما أن القوة الشهوانية ، لذتها في نيل المشتهى ؛ والقوة البصرية ، لذتها في النظر إلى الصور الجميلة ؛ وكذلك سائر القوى . وإنما يمنعها من الاطلاع على المعقولات ، البدن وشواغله ، وحواسه وشهواته .