أبو حامد الغزالي
26
تهافت الفلاسفة
يكن لجميع متخيلاتك ومعتقداتك أصل وطائل ؟ فبم تأمن أن يكون جميع ما تعتقده في يقظتك بحس أو عقل ، هو حق بالإضافة إلى حالتك التي أنت فيها ، لكن يمكن أن تطرأ عليك حالة تكون نسبتها إلى يقظتك كنسبة يقظتك إلى منامك ، وتكون يقظتك نوما بالإضافة إليها ، فإذا وردت تلك الحالة تيقنت أن جميع ما توهمت بعقلك خيالات لا حاصل لها . ولعل تلك الحالة ما يدعيه الصوفية أنها حالتهم . إذ يزعمون أنهم يشاهدون في أحوالهم التي لهم - إذا غاصوا في أنفسهم ، وغابوا عن حواسهم - أحوالا لا توافق هذه المعقولات . ولعل تلك الحالة هي الموت ، إذ قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم « الناس نيام فإذا ماتوا انتبهوا » . فلعل الحياة الدنيا نوم بالإضافة إلى الآخرة . فإذا مات ظهرت له الأشياء على خلاف ما يشاهده الآن ، ويقال له عند ذلك : « فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد » . فلما خطرت لي هذه الخواطر وانقدحت في النفس ، حاولت لذلك علاجا ، فلم يتيسر إذ لم يكن دفعه إلا بالدليل ، ولم يمكن نصب دليل إلا من تركيب العلوم الأولية ، فإذا لم تكن مسلمة لم يمكن ترتيب الدليل ، فأعضل هذا الداء ، ودام قريبا من شهرين أنا فيهما على مذهب السفسطة بحكم الحال ، لا بحكم النطق والمقال ، حتى شفى اللّه تعالى من ذلك المرض ، وعادت النفس إلى الصحة والاعتدال ، ورجعت الضرورات العقلية مقبولة موثوقا بها على أمن ويقين ، ولم يكن ذلك بنظم دليل وترتيب كلام ، بل بنور قذفه اللّه تعالى في الصدر ، وذلك النور هو مفتاح أكثر المعارف ، فمن ظن أن الكشف موقوف على الأدلة المحررة فقد ضيق رحمة اللّه - تعالى - الواسعة « 1 » » فإذا رحنا بعد هذا إلى ديكارت ، وجدنا المؤرخين يحدثوننا أنه يقول : « إن تجارب كثيرة قد قوضت - شيئا فشيئا - كل ما لديه من ثقة في الحواس كأداة للمعرفة الصحيحة ؛ إذ لاحظ كثيرا أن الأبراج التي تبدو للرائي مستديرة عن بعد ، تلوح في نظره مربعة متى كان قريبا منها ، وأن التماثيل
--> ( 1 ) المنقذ من الضلال للغزالي الطبعة الثالثة لسنة 1939 ، بتحقيق جميل صليبا وكامل عياد .