أبو حامد الغزالي

255

تهافت الفلاسفة

والاعتراض أن نقول : نقصان القوى وزيادتها ، لها أسباب كثيرة لا تنحصر فقد يقوى بعض القوى ، في ابتداء العمر ، وبعضها في الوسط ، وبعضها في الآخر ، وأمر العقل أيضا كذلك ، فلا يبقى إلا أن يدعى الغالب . ولا بعد في أن يختلف الشم والبصر ، في أن الشم يقوى بعد الأربعين ، والبصر يضعف ، وإن تساويا في كونهما حالين في الجسم ، كما تتفاوت هذه القوى في الحيوانات ، فيقوى الشم في بعضها ، والسمع في بعضها ، والبصر في بعضها لاختلاف في أمزجتها لا يمكن الوقوف على ضبطه . فلا يبعد أن يكون مزاج الآلات أيضا يختلف ، في حق الأشخاص ، وفي حق الأحوال ، ويكون أحد الأسباب في سبق الضعف إلى البصر ، دون العقل ، أن البصر أقدم ، فإنه مبصر في أول فطرته ، ولا يتم عقله إلا بعد خمس عشرة سنة ، أو زيادة ، على ما يشاهد اختلاف الناس فيه ، حتى قيل : إن الشيب إلى شعر الرأس ، أسبق منه إلى شعر اللحية ، لأن شعر الرأس أقدم . فهذه الأسباب إن خاض الخائض فيها ، ولم يرد هذه الأمور إلى مجارى العادات ، فلا يمكن أن يبنى عليها علما موثوقا به ، لأن جهات الاحتمال فيما تزيد به القوى أو تضعف ، لا تنحصر ، فلا يورث شئ من ذلك يقينا . دليل تاسع قالوا : كيف يكون الإنسان عبارة عن الجسم مع عوارضه ؟ ؛ ، وهذه الأجسام لا تزال تنحل ، والغذاء يسد مسد ما ينحل ، حتى إذا رأينا صبيا انفصل من أمه ، يمرض مرارا ثم يذبل ، ثم يسمن وينمو ، فيمكننا أن نقول : لم يبق فيه بعد الأربعين شئ من الأجزاء التي كانت موجودة عند الانفصال ، بل كان أول وجوده من أجزاء المنى فقط ، ولم يبق فيه شئ من أجزاء المنى ، بل انحل كل ذلك وتبدل بغيره ، فيكون هذا الجسم غير ذلك الجسم ، ونقول :