أبو حامد الغزالي
252
تهافت الفلاسفة
وهذا تحقيق ، وهو أن الإدراك الحال في محل ، إنما يدرك المحل لنسبة له إلى المحل ، ولا يتصور أن تكون له نسبة إليه ، سوى الحلول فيه ، فليدركه أبدا ، وإن كانت هذه النسبة لا تكفى ، فينبغي ألّا يدرك أبدا ، إذ لا يمكن أن تكون له نسبة أخرى إليه ، كما أنه لما أن كان يعقل نفسه ، عقل نفسه أبدا ، ولم يغفل عنها بحال . قلنا : الإنسان ما دام يشعر بنفسه ، ولا يغفل عنها ، فإنه يشعر بجسده وجسمه ، نعم لا يتعين له اسم القلب وصورته وشكله ، ولكنه يثبت نفسه جسما ، حتى يثبت نفسه في ثيابه ، وفي بيته ، والنفس التي ذكروها ، لا تناسب البيت والثوب . فإثباته لأصل الجسم ملازم له ، وغفلته عن شكله واسمه ، كغفلته عن محل « الشمّ » وأنهما زائدتان في مقدم الدماغ ، شبيهتان بحلمتى الثدي ، فإن كل إنسان يعلم أنه يدرك الرائحة بجسمه ، ولكن محل الإدراك لا يتشكل له ولا يتعين ، وإن كان يدرك أنه إلى الرأس ، أقرب منه إلى العقب ، ومن جملة الرأس إلى داخل الأنف ، أقرب منه إلى داخل الأذن ، فكذلك يشعر الإنسان بنفسه ، ويعلم أن هويته التي بها قوامه ، إلى قلبه وصدره أقرب منها ، إلى رجله ، فإنه يقدر نفسه باقيا مع عدم الرجل ، ولا يقدر على تقدير نفسه ، باقيا مع عدم القلب . فما ذكروه من أنه يغفل عن الجسم تارة ، وتارة لا يغفل عنه ، فليس كذلك . دليل سابع قالوا : القوى المدركة بالآلات الجسمانية ، يعرض لها من المواظبة على العمل ، بإدامة الإدراك ، كلال ، لأن إدامة الحركة ، تفسد مزاج الأجسام ، فتكلّها . وكذلك الأمور القوية الجلية الإدراك ، توهنها ، وربما تفسدها ، حتى لا تدرك عقيبها ، الأخفى والأضعف ، كالصوت العظيم للسمع ، والنور العظيم للبصر ، فإنهما ربما يفسدان ، أو يمنعان ، عقيبهما ، من إدراك الصوت الخفي ،