أبو حامد الغزالي

243

تهافت الفلاسفة

فينتج « نقيض المقدم » بالاتفاق ، فلا نظر في صحة شكل القياس ، ولا نظر أيضا في المقدمتين ، فإن الأول قولنا : إن كل حال في منقسم ، ينقسم لا محالة بفرض القسمة في محله ، وهو أولىّ لا يمكن التشكك فيه . والثاني : قولنا : إن العلم الواحد يحل في الآدمي ، وهو لا ينقسم ، لأنه لو انقسم ، إلى غير نهاية ، لكان محالا ، وإن كانت له نهاية ، فيشتمل على آحاد لا محالة لا تنقسم ، وعلى الجملة نحن نعلم أشياء ، ولا نقدر أن نفرض زوال بعضها ، وبقاء البعض ، من حيث إنه لا بعض لها . والاعتراض على مقامين : المقام الأول ، أن يقال : بم تنكرون على من يقول : محل العلم جوهر فرد متحيز لا ينقسم ، وقد عرف هذا من مذهب المتكلمين . ولا يبقى بعده إلا الاستبعاد ، وهو أنه كيف تحل العلوم كلها ، في جوهر فرد ، وتكون جميع الجواهر المطيفة بها ، معطلة وهي مجاورة ؟ ! . والاستبعاد لا خير فيه ، إذ يتوجه على مذهبهم أيضا ، أنه كيف تكون النفس شيئا واحدا لا يتحيز ، ولا يشار إليه ، ولا يكون داخل البدن ، ولا خارجه ، ولا متصلا بالجسم ولا منفصلا عنه ؟ ! . إلا أننا ، لا نؤثر هذا المقام ، فإن القول في مسألة الجزء الذي لا يتجزأ طويل ، ولهم فيه أدلة هندسية يطول الكلام عليها ، ومن جملتها قولهم : جوهر فرد ، بين جوهرين ، هل يلاقى أحد الطرفين منه عين ما يلاقيه الآخر ؟ ! ، أو غيره ؟ ! فإن كان عينه فهو محال ، إذ يلزم منه تلاقى الطرفين ، فإن ملاقى الملاقى ملاق ، وإن كان ما يلاقيه غيره ، ففيه إثبات التعدد والانقسام ، وهذه شبهة يطول حلها « 1 » ، وبنا غنية عن الخوض فيها ، فلنعدل إلى مقام آخر .

--> ( 1 ) الغزالي يعترف بصعوبة إثبات الجزء الذي لا يتجزأ . انظر ما يأتي ص 247