أبو حامد الغزالي

218

تهافت الفلاسفة

وإذا « 1 » تعدى إلى المستقبل ، لم يكن له آخر ، فكيف يعرف ، تفصيل جميع الجزئيات ، في الاستقبال ، إلى غير نهاية ؟ ! وكيف يجتمع في نفس مخلوق ، في حال واحدة ، من غير تعاقب ، علوم جزئية مفصلّة ، لا نهاية لأعدادها ، ولا غاية لآحادها ومن لم يشهد له عقله ، باستحالة ذلك ، فلييأس من عقله . فإن قلبوا علينا هذا ، في علم اللّه تعالى ، فليس تعلق علم اللّه تعالى بمعلوماته - بالاتفاق - على نحو تعلق العلوم التي هي للمخلوقات . بل مهما دار نفس الفلك ، دورة نفس الإنسان ، كان من قبيل نفس الإنسان فإنه شاركه ، في كونه مدركا للجزئيات بواسطة ، فإن لم يلتحق به قطعا ، كان الغالب على الظن أنه من قبيله ، فإن لم يكن غالبا على الظن ، فهو ممكن ، والإمكان يبطل دعواهم القطع بما قطعوا به . فإن قيل : حق النفس الإنسانية ، في جوهرها ، أن تدرك أيضا ، جميع الأشياء ولكن اشتغالها ، بنتائج الشهوة ، والغضب ، والحرص ، والحقد ، والحسد ، والجوع ، والألم ، وبالجملة عوارض البدن ، وما تورده الحواس عليه ، حتى إذا أقبلت النفس الإنسانية على شئ واحد ، شغلها عن غيره . وأما النفوس الفلكية ، فبريئة عن هذه الصفات ، لا يعتريها شاغل ، ولا يستغرقها همّ ، وألم ، وإحساس ، فعرفت جميع الأشياء . قلنا : وبم عرفتم ، أنه لا شاغل لها ، وهلا كانت عبادتها ، واشتياقها إلى الأول مستغزقا لها ، وشاغلا لها ، عن تصور الجزئيات المفصلة ! ! ! . أو ما الذي يحيل ، تقدير مانع آخر ، سوى الغضب والشهوة وهذه الموانع المحسوسة ؟ ؛ ومن أين عرفتم انحصار المانع ، في القدر الذي شاهدناه من أنفسنا ؟ ! وفي العقلاء شواغل من علو الهمة ، وطلب الرئاسة ، ما يستحيل

--> ( 1 ) مقابل قوله « فإن قصرتموه » .