أبو حامد الغزالي
216
تهافت الفلاسفة
المقدمة الأولى ، قولكم : إن حركة السماء إرادية ، وقد فرغنا من هذه المسألة ، وإبطال دعواكم فيها . الثانية ، أنه إن سلّم ذلك ، مسامحة لكم به ، فقولكم إنه يفتقر إلى تصوّر جزئي للحركات الجزئية ، فغير مسلم ، إذ ليس ثم جزء عندكم في الجسم ، فإنه شئ واحد ، وإنما يتجزأ بالوهم ؛ ولا في الحركة ، فإنها واحدة بالاتصال ، فيكفي تشوقها إلى استيفاء « الإيون » الممكنة لها ، كما ذكروه ، ويكفيها التصور الكلى ، والإرادة الكلية . ولنمثل للإرادة الكلية والجزئية ، مثالا ، لتفهيم غرضهم . فإذا كان للإنسان غرض كلى ، في أن يحج بيت اللّه تعالى مثلا ، فهذه الإرادة الكلية لا يصدر منها الحركة ، لأن الحركة تقع جزئية ، في جهة مخصوصة بمقدار مخصوص ، بل لا بد في الحركة الإرادية ، من إرادة جزئية ، ولا يزال يتجدد للإنسان ، في توجّهه إلى البيت ، تصور بعد تصوّر ، للمكان الذي يتخطاه ، والجهة التي يسلكها ، ويتبع كل تصوّر جزئي ، إرادة جزئية ، للحركة عن « 1 » المحل الموصول إليه بالحركة . فهذا ما أرادوه بالإرادة الجزئية ، التابعة للتصور الجزئي ، وهو مسلّم لهم في الحج ، لأن الجهات متعددة ، في التوجه إلى مكة ، والمسافة غير متعينة ، فيفتقر تعيّن مكان عن مكان ، وجهة عن جهة ، إلى إرادة أخرى جزئية . وأما الحركة السماوية ، فلها جهة واحدة ، فإن الكرة إنما تتحرك على نفسها ، وفي حيّزها لا تجاوزه ، والحركة مرادة ، وليس ثمّت إلا جهة واحدة ، وجسم واحد ، وصوب واحد ، فهو كهوىّ الحجر إلى أسفل ، فإنه يطلب الأرض في أقرب طريق ، وأقرب الطرق ، الخط المستقيم ، الذي هو عمود على الأرض ، فتعين الخط المستقيم فلم يفتقر فيه ، إلى تجدد سبب حادث ، سوى الطبيعة الكلية ، الطالبة للمركز ، مع تجدّد القرب ، والبعد ، والوصول إلى حد ،
--> ( 1 ) وفي نسخة « إلى » .