أبو حامد الغزالي

203

تهافت الفلاسفة

( ج ) والأمر الثالث الذي يتضمنه هذا « 1 » ، هو كون القديم متغيرا بغيره « 2 » ، وأن ذلك يشبه التسخير ، واستيلاء الغير عليه ، فيقال : ولم يستحيل عندكم هذا ؟ ! وهو أن يكون هو ، سببا لحدوث الحوادث بوسائط ، ثم يكون حدوث الحوادث ، سببا لحصول العلم له بها ، فكأنه هو السبب في تحصيل العلم لنفسه ، ولكن بالوسائط . وقولكم : إن ذلك يشبه التسخير ، فليكن كذلك ، فإنه لائق بأصلكم ، إذ زعمتم أن ما يصدر من اللّه تعالى إنما يصدر على سبيل اللزوم والطبع ، ولا قدرة له على أن لا يفعل ، وهذا أيضا يشبه نوعا من التسخير ، ويشير إلى أنه كالمضطر ، في ما يصدر منه . فإن قيل : إن ذلك ليس باضطرار ، لأن كماله في أن يكون مصدرا لجميع الأشياء . قلنا : فهذا ليس بتسخير ، فإن كماله في أن يعلم جميع الأشياء ، ولو حصل لنا علم مقارن لكل حادث ، لكان ذلك كمالا لنا ، لا نقصانا وتسخيرا . فليكن كذلك في حقه .

--> ( 1 ) يشير إلى أن يكون العلم في الأول حادثا وصادرا من غيره . ( 2 ) يلاحظ أن بين ما هنا وما مر في القسم الثاني اختلافا ، فليس أحدهما عين الآخر ، كما قد يفهم للنظرة العابرة ، فالذي مر كان دائرا حول ، كون الغير سببا لتغير الغير أي غير كان ، والذي هنا يدور حول كون الغير سببا ، لتغير غير مخصوص ، هو القديم ، ولكن يلاحظ أن الغزالي قد قفز في آخر البحث السابق ، إلى ما يمكن الاستغناء به عما هنا ، وذلك حيث يقول : « فإن كان فيه تغير القديم ، فالقديم المتغير . . . إلخ »