أبو حامد الغزالي
198
تهافت الفلاسفة
أوجبت فيه تغيرا ، لا محالة ، فإن كان ، حال الكسوف ، عالما بأنه سيكون ، كما كان قبله ، فهو جاهل لا عالم ، وإن كان عالما بأنه كائن ، وقبل ذلك كان عالما ، بأنه ليس بكائن وأنه سيكون ، فقد اختلف علمه ، واختلف حاله ، فلزم التغير ، إذ لا معنى للتغير ، إلا اختلاف العالم ، فإن من لم يعلم شيئا ثم علمه ، فقد تغير ، ومن لم يكن له علم بأنه كائن ، ثم حصل حال الوجود فقد تغير . وحققوا هذا ، بأن الأحوال ثلاثة : ( ا ) حال هي إضافة محضة ، ككونك يمينا وشمالا ، فإن هذا لا يرجع إلى وصف ذاتي ، بل هو إضافة محضة ، فإن تحوّل الشئ الذي كان على يمينك إلى شمالك ، تغيرت إضافتك ، ولم تتغير ذاتك بحال ، وهذا تبدل إضافة على الذات ، وليس بتبدل الذات . ( ب ) ومن هذا القبيل إذا كنت قادرا على تحريك أجسام حاضرة بين يديك ، فانعدمت الأجسام أو انعدم بعضها ، لم تتغير قواك الغريزية ، ولا قدرتك ، لأن قدرتك قدرة على تحريك الجسم المطلق أولا ، ثم على المعين ثانيا - من حيث إنه جسم - فلم تكن إضافة القدرة إلى الجسم المعين ، وصفا ذاتيا ، بل إضافة محضة ، فتغيرها يوجب زوال إضافة ، لا تغيرا في حال القادر . ( ج ) والثالث ، تغير في الذات ، وهو ألا يكون عالما ، فيعلم ؛ أولا يكون قادرا ، فيقدر ، فهذا تغير . وتغير المعلوم يوجب تغير العلم ، فإن حقيقة ذات العلم ، تدخل فيه الإضافة إلى المعلوم الخاص ، إذ حقيقة العلم المعين ، تعلقه بذلك المعلوم المعين ، على ما هو عليه ، فتعلقه به على وجه آخر ، علم آخر بالضرورة ، فتعاقبهما يوجب اختلاف حال العالم . ولا يمكن أن يقال : إن للذات علما واحدا ، فيصير علما بالكون ، بعد كونه علما بأنه سيكون ، ثم هو يصير علما بأنه كان ، بعد أن كان علما ،