أبو حامد الغزالي

185

تهافت الفلاسفة

مشغولة بتدبير المادة - أي البدن - ، فإذا انقطع شغله بالموت ، ولم يكن قد تدنّس بالشهوات البدنية ، والصفات الردية ، المتعدية إليه من الأمور الطبيعية ؛ انكشفت له حقائق المعقولات كلها ، ولذلك قضى بأن الملائكة كلهم ، يعرفون جميع المعقولات ، ولا يشذ عنهم شئ ، لأنهم أيضا عقول مجردة ، لا في مادة . فنقول : قولكم : إن الأول موجود لا في مادة ، إن كان المعنىّ به ، أنه ليس بجسم ولا منطبع في جسم ، بل هو قائم بنفسه ، من غير تحيّز ، واختصاص بجهة ؛ فهو مسلم . فيبقى قولكم : وما هذه صفته ، فهو عقل مجرد ، فماذا يعنى بالعقل ؟ ! ، إن عنيتم به ما يعقل سائر الأشياء ، فهو نفس المطلوب ، وموضع النزاع ؛ فكيف أخذته في مقدمات قياس المطلوب ؟ ! ، وإن عنيتم به غيره ، وهو أنه يعقل نفسه ، فربما يسلم لك إخوانك من الفلاسفة ذلك ؛ ولكن يرجع حاصله ، إلى أن ما يعقل نفسه ، يعقل غيره ؛ فيقال : ولم أدعيت هذا ؟ ! ، وليس ذلك بضروري ؛ وقد انفرد به « ابن سينا » عن سائر الفلاسفة ، فكيف تدّعيه ضروريا ؟ ! ، وإن كان نظريا ، فما البرهان عليه ؟ ! . فإن قيل : لأن المانع من إدراك الأشياء ، المادة ، ولا مادة . فنقول : نسلّم أنها مانع ، ولا نسلّم أنها المانع فقط ، وينتظم قياسهم ، على شكل « القياس الشرطي » وهو أن يقال : إن كان هذا في مادة ، فهو لا يعقل الأشياء ، ولكنه ليس في المادة ، فإذن يعقل الأشياء ؛ فهذا استثناء « نقيض المقدم » واستثناء « نقيض المقدم » غير منتج بالاتفاق ؛ وهو كقول القائل : إن كان هذا إنسانا ، فهو حيوان ، لكنه ليس بإنسان ، فإذن ليس بحيوان ؛ وهذا لا يلزم ، إذ ربما لا يكون إنسانا ، ويكون فرسا ، فيكون حيوانا ، نعم استثناء « نقيض المقدم » ، ينتج « نقيض التالي » ، على ما ذكر في المنطق ، بشرط ، وهو ثبوت انعكاس « التالي على المقدم » وذلك بالحصر ، وهو كقولهم : إن كانت الشمس طالعة ، فالنهار موجود ، لكن الشمس ليست بطالعة ، فالنهار غير