أبو حامد الغزالي

166

تهافت الفلاسفة

ذلك كثرة ، فلم يعقلوا شيئا واحدا له حقيقة ، ثم يوصف بالوجود ، بل زعموا : أن الوجود مضاف إلى الحقيقة وهو غيره ، فيقتضى كثرة . فعلى هذا الوجه لا يمكن تقدير علم يتعلق بمعلومات كثيرة ، إلا يلزم فيه نوع كثرة أجل وأبلغ من اللازم في تقدير وجود مضاف إلى ماهية . وأما العلم بالابن ، وكذا سائر المضافات ، ففيه كثرة ، إذ لا بد من العلم بذات الأبن ، وذات الأب ، وهما علمان ؛ وعلم ثالث وهو الإضافة . نعم هذا الثالث مضمن بالعلمين السابقين ، إذ هما من شروطه وضرورته ، وإلا فما لم يعلم المضاف أولا ، لا تعلم الإضافة ، فهي علوم متعددة ، بعضها مشروط بالبعض . فكذلك إذا علم الأول ذاته مضافا إلى سائر الأجناس والأنواع ، لكونه مبدأ لها ، افتقر إلى أن يعلم ذاته ، وآحاد الأجناس ، وأن يعلم إضافة نفسه بالمبدئية إليها ، وإلا لم يعقل كون الإضافة معلومة له . وأما قولهم : إن من علم شيئا ، علم كونه عالما ، بذلك العلم نفسه ، فيكون المعلوم متعددا ، والعلم واحدا . فليس كذلك ، بل يعلم كونه عالما بعلم آخر ، وينتهى إلى علم يغفل عنه ، ولا يعلمه ، ولا نقول : يتسلسل إلى غير نهاية ، بل ينقطع على علم متعلق بمعلومه ، وهو غافل عن وجود العلم ، لا عن وجود المعلوم ، كالذي يعلم السواد ، وهو في حال علمه مستغرق النفس بمعلومه ، الذي هو سواد ، وغافل عن علمه بالسواد ، وليس ملتفتا إليه ، فإن التفت إليه ، افتقر إلى علم آخر ، إلى أن ينقطع التفاته . وأما قولهم : إن هذا ينقلب عليكم في معلومات اللّه سبحانه وتعالى ، فإنها غير متناهية ، والعلم عندكم واحد ، فنقول : نحن لم نخض في هذا الكتاب خوض الممهدين ، بل خوض الهادمين المعترضين ، ولذلك سمينا الكتاب « تهافت الفلاسفة » ، لا تمهيدا لحق فليس يلزمنا الجواب عن هذا . فإن قيل : إنا لا نلزمكم مذهب فرقة معينة من الفرق ، فأما ما ينقلب على كافة فرق الخلق ، وتستوى الأقدام في إشكاله ، فلا يجوز لكم إيراده ، وهذا الإشكال منقلب عليكم ، ولا محيص لأحد من الفرق عنه .