أبو حامد الغزالي
161
تهافت الفلاسفة
وإن أريد بواجب الوجود شئ سوى موجود ليست له علة فاعلية حتى ينقطع به التسلسل ، فلا نسلم أن ذلك واجب أصلا ؛ ومهما اتسع العقل لقبول موجود قديم لا علة لوجوده اتسع لقبول قديم موصوف ، لا علة لوجوده في ذاته وفي صفاته جميعا . المسلك الثاني ، قولهم : إن العلم والقدرة فينا ، ليسا داخلين في ماهية ذاتنا ، بل هما عارضان ، وإذا ثبتت هذه الصفات للأول ، لم تكن أيضا داخلة في ماهية ذاته ، بل كانت عارضة بالإضافة إليه ، وإن كان دائما له ؛ ورب عارض لا يفارق ، أو يكون لازما للماهية ، ولا يصير بذلك مقوما لذاتها ، وإذا كان عارضا ، كان تابعا للذات ، وكانت الذات سببا فيه ، فكان معلولا ، فكيف يكون واجب الوجود وهذا هو الأول مع تغيير عبارته . فنقول : إن عنيتم بكونه تابعا للذات ، وكون الذات سببا له ؛ أن الذات علة فاعلية له ، وأنه مفعول للذات ؛ فليس كذلك ، فإن ذلك ليس يلزم في علمنا بالإضافة إلى ذاتنا ، إذ ذاتنا ليست بعلة فاعلة لعلمنا . وإن عنيتم أن الذات محل ، وأن الصفة لا تقوم بنفسها في غير محل ، فهذا مسلم ، فلم يمتنع هذا ؟ ! ، فإن عبر عنه بالتابع ، أو العارض ، أو المعلول ، أو ما أراده المعبر ؛ لم يتغير المعنى ، إذا لم يكن المعنى سوى أنه قائم بالذات قيام الصفات بالموصوفات ؛ ولم يستحيل أن يكون قائما بالذات ، وهو مع ذلك قديم ، ولا فاعل له ؟ ! . فكل أدلتهم تهويل بتقبيح العبارة ، بتسميته ممكنا ، وجائزا ، وتابعا ، ولازما ومعلولا ، وأن ذلك مستنكر ؛ فيقال : إن أريد بذلك أن له فاعلا ، فليس كذلك ، وإن لم يرد به إلا أنه لا فاعل له ، ولكن له محل هو قائم فيه ، فليعبر عن هذا المعنى بأي عبارة أريد ، فلا استحالة فيه . وربما هوّلوا بتقبيح العبارة من وجه آخر ، فقالوا : هذا يؤدى إلى أن يكون