أبو حامد الغزالي
145
تهافت الفلاسفة
التناهي ، إلا إذا قدر في الوهم وجودها ، ولا يبعد « 1 » ما يقدّر في الوهم ، وإن كانت المقدرات أيضا بعضها علل لبعض ، فالإنسان قد يفرض ذلك في وهمه ، وإنما الكلام في الموجود في الأعيان ، لا في الأذهان . فلا يبقى إلا نفوس الأموات ، وقد ذهب بعض الفلاسفة إلى أنها كانت واحدة أزلية قبل التعلق بالأبدان ، وعند مفارقة الأبدان تتحد ، فلا يكون فيها عدد ، فضلا عن أن توصف بأنها لا نهاية لها ، وقال آخرون : النفس تابعة لمزاج البدن ، وإنما معنى الموت عدمها ، ولا قوام لها بجوهرها دون الجسم ، فإذن لا وجود للنفوس ، إلا في حق الأحياء ، والأحياء الموجودون محصورون ، ولا تنتفى النهاية عنهم ، والمعدومون لا يوصفون أصلا ، لا بوجود النهاية ولا بعدمها إلا في الوهم ، إذا فرضوا موجودين . والجواب ، أن هذا الإشكال في النفوس ، أوردناه على « ابن سينا » و « الفارابي » والمحققين منهم ، إذ حكموا بأن النفس جوهر قائم بنفسه ، وهو اختيار « أرسطاليس » و « المفسرين « 2 » » من الأوائل ؛ ومن عدل عن هذا المسلك فنقول له : هل يتصور أن يحدث شئ يبقى أم لا ؟ ! ، فإن قالوا : لا ، فهو محال ، وإن قالوا : نعم ، قلنا : فإذا قدرنا كل يوم حدوث شئ وبقاءه ، اجتمع إلى الآن لا محالة موجودات لا نهاية لها ، فالدورة وإن كانت منقضية ، فحصول موجود فيها « 3 » يبقى ولا ينقضى ، غير مستحيل ، وبهذا التقدير يتقرر الإشكال ، ولا غرض في أن يكون ذلك الباقي ، نفس آدمي ، أو جنّى ، أو شيطان ، أو ملك ، أو ما شئت من الموجودات ، وهذا لازم على كل مذهب لهم ، إذ أثبتوا دورات لا نهاية لها .
--> ( 1 ) لو حمل معناه : على أن الوهم لا يستطيع أن يتابع التقدير إلى ما لا نهاية له ، لأن الذهن محدود الطاقة ، محدود زمان الوجود ، فلا يوجد فيه ما لا نهاية له كما لا يوجد في الخارج ، لكان حسنا ، وربه لا يريد ذلك . ( 2 ) وفي نسخة « والمعتبرين » . ( 3 ) أي في زمنها .