أبو حامد الغزالي
133
تهافت الفلاسفة
كثرة ، لأنه موجود وهو مع ذلك واجب الوجود ، فوجوب الوجود غير نفس الوجود ، فليجز صدور المختلفات منه ، لهذه الكثرة ؛ فإن قيل : لا معنى لوجوب الوجود إلا الوجود ، قلنا : فلا معنى لإمكان الوجود إلا الوجود ، فإن قلتم : يمكن أن يعرف كونه موجودا ، ولا يعرف كونه ممكنا فهو غيره ، قلنا : فكذا واجب الوجود ، يمكن أن يعرف وجوده ، ولا يعرف وجوبه ، إلا بعد دليل آخر ، فليكن غيره ؛ وبالجملة الوجود أمر عام ، ينقسم إلى واجب وإلى ممكن ، فإن كان فصل أحد القسمين زائدا على العام ، فكذا الفصل الثاني ؛ ولا فرق . فإن قيل : إمكان الوجود له من ذاته ، ووجوده من غيره ، فكيف يكون ما له من ذاته ، وما له من غيره واحدا ؟ ! قلنا : وكيف يكون وجوب الوجود هو عين الوجود ؟ ! ، ويمكن أن ينفى وجوب الوجود ويثبت الوجود ؟ والواحد الحق من كل وجه هو الذي لا يتسع للنفي والإثبات أصلا ، إذ لا يمكن أن يقال : إنه موجود ، وليس بموجود ! أو واجب الوجود ، وليس بواجب الوجود ؛ ويمكن أن يقال : موجود ، وليس بواجب الوجود ، كما يمكن أن يقال : موجود ، وليس بممكن الوجود ، وإنما تعرف الوحدة بهذا ، فلا يستقيم تقدير ذلك في الأول ، إن صح ما ذكروه من أن إمكان الوجود غير الوجود الممكن . الاعتراض الثاني هو أن نقول : عقله مبدأه ، عين وجوده ، وعين عقله نفسه ، أم غيره ؟ ، فإن كان عينه فلا كثرة في ذاته ، إلا في العبارة عن ذاته ، وإن كان غيره فهذه الكثرة موجودة في الأول ، فإنه يعقل ذاته ، ويعقل غيره ، فإن زعموا أن عقله ذاته عين ذاته ، ولا يعقل ذاته ، ما لم يعقل أنه مبدأ لغيره ، فإن العقل يطابق المعقول ، فيكون راجعا إلى ذاته ، فنقول : والمعلول عقله ذاته عين ذاته ، فإنه عقل بجوهره ، فيعقل نفسه ، والعقل والعاقل والمعقول منه أيضا واحد ؛ ثم إذا كان عقله ذاته عين ذاته ، فليعقل ذاته معلولا لعلة ، فإنه كذلك ، والعقل يطابق المعقول ، فيرجع الكل إلى ذاته ، فلا كثرة إذن ، وإن