أبو حامد الغزالي
125
تهافت الفلاسفة
الوجه الثاني في إبطال كون العالم فعلا للّه تعالى على أصلهم ، لانعدام الشرط في الفعل ، وهو أن الفعل عبارة عن الإحداث ، والعالم عندهم قديم ، وليس بحادث ، ومعنى الفعل إخراج الشئ من العدم إلى الوجود بإحداثه ، وذلك لا يتصور في القديم ، إذ الموجود لا يمكن إيجاده ، فإذن شرط الفعل أن يكون حادثا ، والعالم قديم عندهم ، فكيف يكون فعلا للّه ، تعالى عن قولهم علوا كبيرا . فإن قيل : معنى الحادث « الموجود بعد عدم » ، فلنبحث أن الفاعل إذا أحدث ، أكان الصادر منه المعتلق به ، الوجود المجرد ، أو العدم المجرد ، أو كلاهما ؟ ! ، وباطل أن يقال : أن المتعلق به العدم السابق ، إذ لا تأثير للفاعل في العدم ، وباطل أن يقال : كلاهما ، إذ بان أن العدم لا ينعلق به أصلا ، وأن العدم في كونه عدما لا يحتاج إلى فاعل البتة ، فبقى أنه متعلق به من حيث إنه موجود ، وأن الصادر منه مجرد الوجود ، وأنه لا نسبة إليه إلا الوجود ، فإن فرض الوجود دائما فرضت النسبة دائمة ، وإذا دامت هذة النسبة ، كان المنسوب إليه أفعل « 1 » وأدوم تأثيرا ، لأنه لم يتعلق العدم بالفاعل بحال . بقي « 2 » أن يقال : إنه متعلق به ، من حيث إنه حادث ، ولا معنى لكونه حادثا ، إلا أنه موجود بعد عدم ، والعدم لم يتعلق به ، فإن جعل سبق العدم وصفا للوجود ، وقيل المتعلق به وجود مخصوص ، لا كل وجود ، وهو وجود مسبوق بالعدم ؛ فيقال : كونه مسبوقا بالعدم ليس من فعل الفاعل ، وصنع الصانع ؛ فإن هذا الوجود لا يتصور صدوره من الفاعل إلا والعدم سابق عليه ، وسبق العدم ليس
--> ( 1 ) وفي نسخة « أفضل » . ( 2 ) لعله اعتراض أجراه الفيلسوف على لسانه ضد نفسه ليدفعه فيصفو له المقام ، وفي العبارة ركة لا تخفى .