أبو حامد الغزالي

118

تهافت الفلاسفة

ليس بشئ ، فإن ما ليس بشئ كيف يوصف بالطريان ؟ ! ، فإذا ابيضّ الشعر فالطارئ هو البياض فقط وهو موجود ، ولا نقول : الطارئ عدم السواد . وهذا فاسد من وجهين : أحدهما أن طريان البياض هل تضمن عدم السواد أم لا ؟ ! ، فإن قالوا : لا ، فقد كابروا العقول ، وإن قالوا : نعم ، فالمتضمن غير المتضمّن أم عينه ؟ ! فإن قالوا هو عينه كان متناقضا ، إذ الشئ لا يتضمن نفسه ، وإن قالوا : غيره فذلك الغير معقول أم لا ؟ ! فإن قالوا : لا ، قلنا : فم عرفتم أنه متضمّن ؟ ! ، والحكم عليه بكونه متضمنا اعتراف بكونه معقولا ، وإن قالوا : نعم ، فذلك المتضمّن المعقول وهو عدم السواد قديم أو حادث ؟ ! ، فإن قالوا : قديم ، فهو محال ، وإن قالوا : حادث ، فالموصوف بالحدوث كيد لا يكون معقولا « 1 » ؟ ! وإن قالوا : لا قديم ولا حادث فهو محال ، لأنه قبل طريان البياض ، لو قيل السواد معدوم كان كذبا ، وبعده إذا قيل : إنه معدوم كان صدقا ، فهو طارىء لا محالة ، فهذا الطارىء معقول ، فيجوز أن يكون منسوبا إلى قدرة قادر . الوجه الثاني : أن من الأعراض ما ينعدم عندهم لا بضده ، فإن الحركة لا ضد لها ، وإنما التقابل بينها وبين السكون عندهم تقابل الملكة والعدم ، أعنى تقابل الوجود والعدم ، ومعنى السكون عدم الحركة ، فإذا عدمت الحركة لم يطرأ سكون هو ضده ، بل هو عدم محض ، وكذلك الصفات التي هي من قبيل الاستكمال ، كانطباع أشباح المحسوسات في الرطوبة الجليدية من العين ، بل انطباع صور المعقولات في النفس ، فإنها ترجع إلى استفتاح وجود من غير زوال ضده ، وإذا عدمت كان معناها زوال الوجود من غير استعقاب ضده ،

--> ( 1 ) لقد ظفر في الفقرة السابقة أعنى قوله « والحكم عليه بكونه متضمنا اعتراف بكونه معقولا » وقوله « فذلك المتضمن المعقول » : فما يحاول استنباطه الآن ، هو تكرار . والأولى به أن يثب إلى المطلوب ويقول : « فالموصوف بالحدوث كيف لا يكون أثرا للقادر ؟ » .