أبو حامد الغزالي
101
تهافت الفلاسفة
صيغة ثانية لهم في إلزام قدم الزمان قالوا : لا شك في أن اللّه عندكم كان قادرا على أن يخلق العالم قبل خلقه بقدر سنة ، ومائة سنة ، وألف سنة ، وما لا نهاية . له ، وأن هذه التقديرات متفاوتة في المقدار والكمية ، فلا بد من إثبات شئ قبل وجود العالم ممتد مقدّر ، بعضه أمدّ وأطول من البعض . فإن قلتم : لا يمكن إطلاق لفظ « السنين » إلا بعد حدوث الفلك ودورانه ، فلنترك لفظ « السنين » ولنورد صيغة أخرى فنقول : إذا قدرنا أن العالم من أول وجوده قد دار فلكه إلى الآن بألف دورة مثلا ، فهل كان اللّه سبحانه قادرا على أن يخلق قبله عالما ثانيا مثله بحيث ينتهى إلى زماننا هذا بألف ومائة دورة ؟ فإن قلتم : لا ، فكأنه انقلب القديم من العجز إلى القدرة ، أو العالم من الاستحالة إلى الإمكان ، وإن قلتم : نعم ، ولا بد منه ، فهل كان يقدر على أن يخلق عالما ثالثا بحيث ينتهى إلى زماننا بألف ومائتي دورة ؟ ، ولا بد من نعم ، فنقول : هذا العالم الذي سميناه بحسب ترتيبنا في التقدير ، ثالثا - وإن كان هو الأسبق - فهل أمكن خلقه مع العالم الذي سميناه ثانيا وكان ينتهى إلينا بألفي ومائتي دورة ، والآخر « 1 » بألف ومائة دورة ، وهما متساويان في مسافة الحركة وسرعتها ؟ فإن قلتم : نعم ، فهو محال ، إذ يستحيل أن يتساوى حركتان في السرعة والبطء ثم تنتهيان إلى وقت واحد ، والأعداد متفاوتة ، وإن قلتم : إن العالم الثالث الذي ينتهى إلينا بألف ومائتي دورة ، لا يمكن أن يخلق مع العالم الثاني الذي ينتهى إلينا بألف ومائة دورة ، بل لا بد أن يخلقه قبله بمقدار يساوى المقدار الذي تقدم العالم الثاني على العالم الأول وسميناه ، الأول ، لأنه أقرب إلى وهمنا ، إذ ارتقينا من وقتنا
--> ( 1 ) يعنى بالآخر العالم الذي سماه « ثانيا » .