محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

47

شرح حكمة الاشراق

ولمّا كانت العلل المفارقة علّة الذّاتيّات واللّوازم عند حصول الاستعداد للماهيّة ، فلا يكون الماهيّة علّة تامّة لها . وكما أنّها علّة مّا للّوازم ، فهي علّة مّا للأعراض المفارقة ، إذ لولا استعداد الماهيّة لها ، لما أمكن حصولها من المفارق ، إلّا أنّ علّيتها للّوازم أظهر منها للأعراض المفارقة . ولا يخفى أنّ اللّوازم المحتاجة إلى العلّة هي الخارجة ، وأمّا الاعتباريّة فلا تحتاج إلى علّة غير المعتبر . الضابط الرابع في الفرق بين ما للشّىء من ذاته ، وهي العوارض الذّاتيّة ، وبين ما له من غيره ، وهي العوارض الغريبة . هو أنّ كلّ حقيقة إذا أردت أن تعرف ما الّذى يلزمها لذاتها بالضّرورة ، دون إلحاق فاعل ، وما الّذى يلحقها من غيرها ، فانظر إلى الحقيقة وحدها ، واقطع النّظر عن غيرها ، فما يستحيل رفعه عن الحقيقة ، وهو تابع للحقيقة ، فموجبه وعلّته نفس الحقيقة . وإنّما قال : « وهو تابع للحقيقة » ، احترازا عن جزئها ، لأنّه يستحيل رفعه عنها مع أنّه يوجبها ، لا أنّها توجبه ، إذ لو كان الموجب غيرها ، لما أمكن ملاحظة وجوبه بدونه ، لأنّ المعلولات الممكنة إنّما يجب وجودها بعللها . فإذا قطع النّظر عنها لم يجب وجودها ، بل تبقى على إمكانها . ولهذا قال : لكان ممكن اللّحوق والرّفع . إذ التّقدير قطع النّظر عن غيرها مع أنّه الموجب فرضا . لكنّه مستحيل الرّفع بالفرض ، فالموجب نفس الحقيقية لا غيرها . ولأنه إذا وجد شئ مع قطع النّظر عن شئ آخر ، أو فرض عدمه . فإنّ ذلك الشّىء لا يكون علّة للآخر ، ولا الآخر معلولا له . فإذا نظرنا إلى الجسم ، مثلا ، وقطعنا النّظر عن جميع العوارض وتأثير الفاعل الخارجىّ ، فالواجب له حينئذ هو المقدار والوضع ، المطلقان الشّاملان لجميع المقادير والأوضاع المتعيّنة المخصوصة ، المنطبقان على كلّ واحد واحد منهما ، لا المقدار والوضع المخصوصان ، كذراع مثلا أو أكثر أو أقلّ ، وكانتصاب وانبطاح