محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

41

شرح حكمة الاشراق

وجودها في الخارج يكون موجودا في الخارج أزلا وأبدا . هذا هو الّذى فهمه المورد والجمهور من المثل ، وسيأتي ما هو الحقّ فيها إن شاء اللّه تعالى . وهذا الأثر الّذى هو حصول صورة الشّىء في العقل ، سواء اقترن به حكم أولا ، يسمّى تصوّرا ، إذ الحكم باعتبار حصوله في العقل من التّصوّرات أيضا ، وخصوصيّته . وكونه حكما ، - وهو ما يلحق الإدراك لحوقا يجعله محتملا للتّصديق والتّكذيب - يسمّى تصديقا . فالتّصوّر هو حصول صورة الشّىء في العقل مع قطع النّظر عن الحكم . لست أقول : مع التّجرّد عن الحكم ، كما قال جماعة من المتأخّرين : « إنّ الأمر الحاصل في العقل إن لم يكن معه حكم فهو التّصوّر ، وإن كان معه حكم فهو التّصديق » ، فإنّ ذلك ينافي كون التّصوّر شرط التّصديق ، كما هو عند الأقدمين ، أو شطره ، كما عند المحدثين ، لامتناع تقوّم الشّىء واشتراطه بنقيضه ، ولاستحالة تحقّق المعاندة بين الجزء والكلّ والشّرط والمشروط . اللّهمّ إلّا أن يمنع ويقال : لا امتناع في تحقّق العناد المانع من الجمع بين الجزء والكلّ ، لتحقّق هذا العناد بين الواحد والكثير ، مع أنّ الواحد جزء الكثير ، على معنى أنّ الصّادق على الشّىء إمّا الواحد أو الكثير ؛ وكذا في التّصوّر والتّصديق ؛ لاستحالة أن يصدقا على علم واحد . أو يقال : التّصوّر أمر مشترك بين الإدراك المقيّد بقيد عدم الحكم وبين مسمىّ الإدراك ، والأوّل هو قسيم التّصديق ، والثّانى شرطه أو شطره ؛ والتّصديق هو الحكم على الشّىء المتصوّر بوجوده أو عدمه أو وجود حالة له أو عدمها عنه . واتّفاقهم على أنّ الأوّليّات ربّما وقع التّوقّف في التّصديق بها ، لخفاء في تصوّر حدودها ، يدلّ على أنّ التّصديق عبارة عن نفس الحكم ، لا عن التّصوّرات الثّلاث ، وإلّا لما كان بديهيّا ، إلّا إذا كانت تلك التّصوّرات بديهيّة . وهذا بخلاف ما اعترفوا به في الأوّليّات ، وإن كان بعضهم قد ناقض نفسه في مواضع . فإن قيل : التّصديق أمر انفعالىّ ، لأنّه قسم من العلم التّجدّدىّ ، وهو انفعال مّا