محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
32
شرح حكمة الاشراق
وإذ عرفت ذلك ، فاعلم أنّ مرتبة المنطق أن يقرأ بعد تهذيب الإخلاق وتقويم الفكر ببعض العلوم الرّياضيّة من الهندسة والحساب . أمّا الأوّل ، فلما قال بقراط في كتاب الفصول : « البدن الّذى ليس بالنّقىّ كلّما غذوته إنّما تزيده شرّا ووبالا » . ألا ترى : أنّ من لم يتهذّب أخلاقهم ولم يتطهّر أعراقهم إذا شرعوا في المنطق ، سلكوا منهج الضّلال وانخرطوا في سلك الجهّال ، وأنفوا أن يكونوا مع الجماعة ويتقلّدوا ذلّ الطّاعة ، فجعلوا الأعمال الطّاهرة والأقوال الظّاهرة من البدائع الّتى وردت بها الشّرائع دبر آذانهم والحقّ تحت أقدامهم ، متمحّلين لطريقهم حجّة ومتطلّبين لضلالهم جنّة : وهي أنّ الحكمة ترك الصّور وإنكار الظواهر ، إذ فيها يتحقّق معاني الأشياء دون صورها ، وبممارستها يطّلع على حقائق الأمور دون ظواهرها . ولم يخطر لهم بالبال : أنّ الصّور مرتبطة بمعانيها وظواهر الأشياء مبنيّة على حقائقها ، وأنّ الحقيقة ترك ملاحظة العمل ، لا ترك العمل ، كما ظنّوا ، واللّه عزّ شأنه وبهر برهانه ينتصف منهم يوم تبلى السّرائر وتبدى الضّمائر ، فإنّهم أبعد الطّوائف عن الحكماء عقيدة ، وأظهر المعاندين لهم سريرة . وأمّا الثّانى ، فليستأنس طباعهم بالبرهان . والقسمة وهي أبواب المنطق تسعة : إيساغوجى ، وهو بحث الألفاظ الخمسة ، وقاطيغورياس ، وهو المقولات العشر ، وباريرميناس ، وهو القضايا ، والقياس ، والبرهان والحدّ وما يجرى مجراه ، والجدل ، والخطابة ، والسّفسطة ، وهي المغالطة ، والشّعر . ( 8 ) - والأنحاء التعليميّة كلّها موجودة في المنطق : فالتّقسيم هو التّكثير من فوق إلى أسفل ، كتقسيم الجنس إلى الأنواع ، والنّوع إلى الأصناف ، والصّنف إلى الأشخاص ، والذّاتّى إلى الجنس والنّوع والفصل ، والعرضىّ إلى الخاصّة والعرض العامّ . والتحليل : هو التّكثير من أسفل إلى فوق . والتّحديد : هو فعل الحدّ ، وهو ما يدلّ على الشّىء دلالة مفصّلة بما به قوامه ، بخلاف الاسم ، فإنّه يدلّ عليه دلالة