محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
29
شرح حكمة الاشراق
تزبنه الزّبانية ، فدهدهته إلى الهاوية ، ويخفّ على الماء حمله ، ولا يغرق في البحر المحيط ، وهو في جوار عين الحيوان الرّاكدة ، من اغتمر فيها لم يمت » . ومنه يعلم أنّ من قال : « أنا قانع بما أعلم ، وما لي حاجة إلى المنطق » ، وإن كان يعلم جميع العلوم العاميّة ، من اللّغة والنّحو والشّعر والتّرسّل والفقه والكلام والطّبّ والحساب ، فهو كحارس يقول « أنا قانع بما أنا فيه ، ومالي حاجة إلى السّلطنة والسّرير والتّاج » . وسمة المنطق : هي المنطق ، وهو مشتقّ من النّطق الدّاخلىّ ، وهو القوّة الّتى ترتسم فيها المعاني ، والمنطق يهذّبها . ومؤلّف الكتاب ، أي مصنّف هذا الفنّ ومدوّنه : هو أرسطو ، وقد صحّ بشهادة المفسّرين له . ويقال له : « ميراث ذي القرنين » ، وقد بذل لمصنّفه ، خمسمائة ألف دينار ، وأدرّ عليه ، كلّ سنة ، مائة وعشرين ألف دينار . وقد حافظ على شريطة المصنّفين ، واحترز فيه عن الزّيادة على ما يجب ، كلوازم المتّصلات والمنفصلات والاقترانات الشّرطيّة الّتى لا ينتفع بها ، لا في الدّنيا ولا في الآخرة ، وأمثالها ممّا زادها المتأخّرون ، وعن النّقصان ممّا يجب ، كالصّناعات الخمس على ما نقص منها المتأخّرون ، بحذف البعض أصلا ورأسا ، كالجدل والخطابة والشّعر ، وإيراد البعض أبتر ، كالبرهان والمغالطة . وأما أنّه من أىّ علم ، فهو جزء من العلم المطلق ، وآلة يتوصّل بها إلى سائر العلوم النّظريّة والعمليّة ، وهو لا يتوقّف على آلة أخرى ، لأنّ بعضه تنبيه وتذكير ، وبعضه إفادة متّسقة ، أي منتظمة ، يؤمن فيها الغلط ، فلا يحتاج إلى منطق آخر قبله ، كالحساب والهندسة . ونسبته إلى الرّويّة كنسبة النّحو إلى الكلام ، والعروض إلى الشّعر ، إلّا أنّه قد يستغنى عنهما بالفصاحة وسلامة الذّوق ، ولا يستغنى عن المنطق في طلب الكمال ، إلّا أن يكون الإنسان مؤيّدا بتأييد سماوىّ ، فيكون نسبته إلى المروّين كنسبة البدوىّ إلى المتعرّبين . والمنطق يصلح لأبناء الملوك الّذين يتوقّع منهم أن يصيروا ملوكا ، لا ليتعلّموا