محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
537
شرح حكمة الاشراق
الحقائق كفاحا ، وثانيهما نفث في الرّوع ، وهو الإلهام النّفسىّ ، قال : ولقد ألقاه ، أي : مجموع ما في هذا الكتاب من المعاني ، النّافث القدسىّ ، أي : روح القدس ، في روعى ، أي : نفسي ، في يوم عجيب دفعة ، وهو كما قال النّبىّ عليه السّلام : « إنّ روح القدس نفث في روعى : أحبب ما شئت ، فإنّك مفارقه ؛ واعمل ما شئت ، فإنّك مجازى عليه » ، وإن كانت كتابته ما اتّفقت إلّا في أشهر ، لموانع الأسفار . وله ، ولهذا الكتاب ، خطب عظيم ؛ لأنّه عظيم القدر ، جليل الشّأن ، لاشتماله على الحكمة البحثيّة والذّوقيّة . أمّا البحثيّة ، فلما فيه من الأصول الصّحيحة والقواعد المستقيمة . وأمّا الذّوقيّة ، فلإنّها ذوق أفاضل الأمم السّالفة من الأجيال الخالية . ومن جحد الحقّ ، وهو كون الكتاب ذا خطب عظيم ، وأنّه فات المتقدّمين والمتأخّرين ما يسّر اللّه على لسانه منه ، فسينتقم اللّه منه ، « إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ ذُو انتِقامٍ » ، ( إبراهيم ، 47 ) . ولكون الكتاب عظيم الشّأن جليل القدر ، لا يعرفه إلّا من أتقن علوم المشّائين ، ووقف على أصول الإشراقيّين ، وتجرّد وارتاض . وكلّ ذلك لا يتيسّر إلّا بالشّيخ الفاضل ، الحكيم الكامل ، الّذى هو قطب الوقت وخليفة اللّه في أرضه . قال : ولا يطمعّن أحد أن يطّلع على أسرار هذا الكتاب ، ( 274 ) ، دون المراجعة ، إلى الشّخص الّذى يكون خليفة ، عنده علم الكتاب ، أي : هذا الكتاب ، أو الكتاب الإلهىّ ، الّذى هو عبارة عن مجموع الموجودات . واعلموا ، إخواني ، أنّ تذكّر الموت أبدا من المهمّات ، لاشتماله على فوائد : منها ما أشار إليه النّبىّ ، عليه السّلام ، في قوله : « أكثروا ذكر هادم اللّذات » ، فإنّه ما ذكره أحد في ضيق إلّا وسّعه عليه ولا في سعة إلّا ضيّقها . ومنها القناعة بما رزق دون الشّره في تحصيل كلّ مشتهى خلق ؛ والمبادرة إلى التّوبة قبل الأوبة ؛ والنّشاط في العبادة ؛ والاشتغال بتحصيل ما يبقى ويدوم من الكمالات الباقية الأخرويّة ، لا بما يفنى ويزول من الأمور الفانية الدّنيويّة ؛ والاستيناس بالموت وانتظاره ؛ والفرح به رجاء لقاء اللّه تعالى لاتّصافة بالكمال والخير ، فيحبّه اللّه ، دون الاستيحاش والفرار