محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
500
شرح حكمة الاشراق
فصل [ 5 ] في بيان سبب الإنذارات والاطّلاع على المغيبات وفي أنّ نقوش الكائنات أزلا وأبدا محفوظة في البرازخ العلويّة وواجبة التّكرار ، وأنّ الأشباح المجرّدة الّتى في عالم المثال غير متناهية الإنسان إذا قلّت شواغل حواسّه الظّاهرة ، إمّا بما هو ضرورىّ لنوعه ، وهو النّوم ، لتعطّل الحواسّ الظّاهرة معه ، لانحباس الرّوح عن الظّاهر في الباطن ، أو غير ضرورىّ له : إمّا في أصل فطرته ، كالكثير من آلاته الّتى تستعملها النّفس في تدبير البدن ضعيفة في أصل الفطرة ، فيكون اشتغال نفسه بتدبير بدنها قليلا ، وبقدر ما ينقص من التفاتها إلى جهة البدن يتوفّر التفاتها إلى الجانب الأعلى ؛ أوّلا في أصل فطرته ، ولكن لا بالاكتساب ، كالممرورين والمصروعين ، لقلّة شواغلهم ، لانصراف هممهم عن المحسوسات ، وفساد آلاتهم بغلبة الأخلاط عليها ، وكلال متخيّلتهم لحركاتها المضطربة ، أو بالاكتساب ، كما يستعين بعض الكهنة بأمور تحصل فيها للحسّ حيرة وللخيال وقفة ، فتستعدّ القوّة النّاطقة لتلقّى الأمر الغيبىّ لضعف العائق . فقد يتخلّص ، في بعض الأحيان ، عن شغل التّخيّل ، لضعف ونحوه ، فيطّلع على أمور مغيّبة ، أي : خفيّة ، ممّا هو كائن أو كان أو سيكون . ويشهد بذلك ، أي : باطّلاع النّور المدبّر الإنسانىّ على المغيّبات في النّوم ، المنامات الصّادقة ، الحاصلة بالتّسامع والتّعارف . أمّا التّسامع ، فباعتبار حصول الاطّلاع على الغيب حالة النّوم للغير ، إذ خلق كثير يستحيل التّواطؤ في حقّهم على الكذب ، يحكون عن أنفسهم رؤيا منامات تقع إمّا عينها أو تفسيرها . وأمّا التّعارف ، فباعتبار حصول ذلك للنّاظر نفسه ، إذ ليس إحد من النّاس إلّا وقد جرّب ذلك في نفسه تجارب ، ألهمته التّصديق به . اللّهمّ إلّا أن يكون أحدهم فاسد المزاج ، نائم قوى التّخيّل والتّذكّر ، فإنّه يتعذّر والحالة هذه ، الاطّلاع المذكور وإذا كان للنفس الإنسانيّة أن تنال من الغيب نيلا مّا في حالة المنام والمرض ،