محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
497
شرح حكمة الاشراق
لنفسه أو لغيره . وليس فليس . والإصبع الزّائدة إنّما تؤخذ شرّا ، لأنّها تبطل هيئة مستحسنة عن اليد ، وكذا غيرها . وكما أنّ العدم بما هو عدم لا ينسب إلى فاعل إلّا بالعرض ، كذلك الشّرّ لا ينسب إلى الفاعل إلّا بالعرض ، فلا يحتاج إلى فاعل آخر ، كما ظنّ ملاحدة المجوس ، وكذا القدريّة الّذين هم مجوس هذه الأمّة . والفرق بينهما : أنّ القدريّة ينسبون الشّرّ إلى فاعل شرّير ، هو الإنسان ، والمجوس إلى فاعل شرّير غيره . كيف وقد دريت أن لا واجب في الوجود إلّا واحد . والقسمة تقتضى خيرا لا شرّ فيه ، يجب وجوده عن الحقّ الأول ، كالعقول والنّفوس الفلكيّة ؛ وشرّا لا خير فيه ، وهو ممتنع الوجود ، لكونه العدم البحت ؛ وشرّا كثيرا مع خير قليل ، ( 253 ) ، فلا يحصل عن الخيّر المطلق هذا ، ولا ما يتساوى خيره وشرّة . لأنّه ينافي الحكمة والخيريّة ، وخيرا كثيرا يلزمه شرّ قليل يجب وجوده عن الواجب ، ولا يجوز إهماله على رحمة المبدع ، فإنّ ترك خير كثير لشرّ قليل ، شرّ كثير . وهذا كالماء والنّار اللّذين لا يتمّ نفعهما إلّا وأن يلزمهما بحسب مصادمات أسباب ، حرق أو غرق نادر . وكذا الإنسان وغيره من الحيوانات وإن كانت شرّيرة ، فإنّ خيرها أكثر من شرّها وأمّا أنّه لم لم يخلق هذا القسم بريئا من الشّرّ ، يجاب : بأنّ هذا السّؤال فاسد ، لأنّه متضمّن أنّ هذا القسم لم ما جعل غير نفسه ، ولم جعل الماء ماء ، والنّار نارا . ولو تجرّد عنه لكان هو القسم الأوّل ، ولم يوجد القسم الخامس مع وجوب صدوره عن الخيّر الجواد ، إذ لا يجوز في رحمته إهمال المصالح والخيرات الكلّيّة لشرّ جزئىّ . ألم تر : أنّ الحكمة توجب قطع عضو لسلامة جسد . ولأنّ الموجودات إمّا خير محض أو خير كثير يلزمه شرّ قليل ، كما في موجودات هذا العالم ، كان الشّرّ أقلّ من الخير بكثير ، وإليه الإشارة بقوله : والشّرّ في هذا العالم أقلّ من الخير بكثير . مع أنّ هذا العالم حقير بالنّسبة إلى عالم الأفلاك ، الحقير بالنّسبة إلى عالم العقول ، الحقير بالنّسبة إلى عالم الرّبوبيّة . فالشّرّ لا اعتبار له أصلا بالنّسبة إلى ذلك العالم ، لجلالة ذلك وحقارة هذا .