محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

493

شرح حكمة الاشراق

أعنى عن المرايا والتّخيّلات ، بعد حصولها فيها الأنوار المدبّرة الفلكيّة ، لتصير تلك المثل ، المثل المعلّقة المختلعة ، مظاهر لها ، أي للأنوار المدبّرة الفلكيّة عند المستبصرين ، فيظهرون فيها عندهم ، كما قلنا ، « وما يخلعها المدبّرات » ، أي عن مظاهرها إلى آخره . والظّاهر أنّه تصحيف ، لأنّ ما يخلعها المدبّرات عن مظاهرها ويستحفظها لا يزيد على ما كانت ، فلا يلزم أن تكون نوريّة وتصحبها أريحيّة ، روحانيّة ، بخلاف ما يخلعها المدبّرات ، لجواز بل وجوب أن يكون كذلك ، لأنّ العلّة كلّما كانت أشرف كان المعلول أشرف . ولمّا شوهدت هذه المثل وما نسب ، أي مشاهدتها ، إلى الحسّ المشترك ، إذ لم تصل إليه من الحواسّ الظّاهرة ، فدلّ على أنّ المقابلة ، مقابلة المشاهد ، ليست بشرط للمشاهدة مطلقا ؛ وإلّا لتوقّفت عليها كلّ مشاهدة ، وليس كذلك ، بل إنّما يتوقّف عليها ، على المقابلة ، الإبصار ، لانّ فيها ، أي في المقابلة ، ضربا من ارتفاع الحجب ، الّذى هو شرط المشاهدة . وهذا العالم المذكور نسمّيه « عالم الأشباح المجرّدة » ( 251 ) ، وهو الّذى أشار إليه الأقدمون : أنّ في الوجود عالما مقداريّا غير العالم الحسّىّ لا تتناهى عجائبه ولا تحصى مدنه . ومن جملة تلك المدن جابلقا وجابرصا ، وهما مدينتان عظيمتان لكلّ منهما ألف باب ، لا يحصى ما فيها من الخلائق ، لا يدرون أنّ اللّه خلق آدم وذرّيّته . وهو يحذو حذو العالم الحسّىّ في دوام حركة أفلاكه المثاليّة وقبول العنصريّات ، ومركّباته آثار حركة أفلاكه وإشراقات العوالم العقليّة . ويحصل في ذلك أنواع الصّور المعلّقة المختلفة إلى غير النّهاية على طبقات مختلفة باللّطافة والكثافة . وكلّ طبقة لا تتناهى أشخاصها وإن تناهت الطّبقات . والأنبياء والأولياء والمتألّهون من الحكماء معترفون بهذا العالم ، وللسّالكين فيه مآرب وأغراض من إظهار العجائب وخوارق العادات ، والمبرّزون من السّحرة والكهنة يشاهدونه ويظهرون منه العجائب