محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

460

شرح حكمة الاشراق

المدبّر لأبدان جميع الحيوانات النّفوس النّاطقة المستنسخة ، على ما يدلّ عليه ظاهر قوله تعالى : « وَما مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثالُكُمْ . ما فَرَّطْنا فِي الْكِتابِ مِنْ شَيْءٍ ، ثُمَّ إِلى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ » ( الأنعام ، 38 ) فأىّ خلق يغلب على النّور الإسفهبذ ، من الأخلاق الرّديّة للعلائق البدنيّة ، وأىّ هيئة ظلمانيّة تتمكّن فيه ويركن إليها هو ، أي : النّور . وإنّما أبرز الضّمير ، كما أبرز في « زيد عمرو يضربه هو » ، والمعنى : ويميل النّور إلى تلك الهيئة الظّلمانيّة ، لتمكّنها فيه وصيرورتها ملكة لازمة بحيث تنزل منه منزلة الفصول المنوّعة المميّزة له عن غيره بعد المفارقة ، ولولاها لبطلت ذاته ، إذ لا بدّ من هيئة فاضلة أورديّة ، بها يمتاز عن غيره ، من النّفوس المشاركة له في النّوع . يوجب ، أي : تمكّن تلك الهيئة الظّلمانيّة فيه وركونه إليها ، إلى غير ذلك من غلبة الأخلاق الرّدية عليه ، يوجب أن يكون ، النّور الإسفهبذ ، بعد خراب صيصيته . وفي نسخة : « [ بعد ] مفارقة صيصيته » ، منتقلا علاقته إلى صيصيية مناسبة لتلك الهيئة الظّلمانيّة من الحيوانات المنتكسة ، الرّؤوس ، كانتقال نفس الحريص إلى الخنزيز ، ونفس السّارق إلى الفأرة . فإنّ النّور الإسفهبذ إذ أفارق الصّيصية الإنسيّة وهو مظلم ، لتمكّن الهيئة الظّلمانيّة فيه ، مشتاق إلى الظّلمات ، لركونه على ما هو المفروض ، ولم يعلم سنخه وعالم النّور ، لأنّه لم يكتسب في التّعلّق البدنىّ الكمالات العقليّة والأخلاق الفاضلة المقرّبة إلى عالم النّور ، بل اكتسب أضداد ذلك من الجهالات المركّبة والأخلاق المذمومة المبعّدة عنه ، وتمكّنت فيه ، في النّور الإسفهبذ ، الهيئات الرّديّة ، أي : الظّلمانيّة . ولتمكّنها فيه لا يشتاق إلى المبادى النّوريّة والأمور العقليّة ، بل يشتاق بطبعه إلى ما تمكّن فيه من الهيئآت الرّديّة الظّلمانيّة ، فينجذب ، النّور الإسفهبذ بعد الموت ، لاشتياقه إلى الظّلمة وإلفه بها ، إلى ما فيه ظلمات مناسبة لما تمكّن فيه وألف به ، ولهذا يميل ، إلى الصّياصى المتنكّسة . وفي بعض النّسخ « منتكسة » ، ويكون نصبا على الحال ، لحيوانات أخرى ، من الحيوانات الّتى أخلاقها مناسبة لتلك