محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

458

شرح حكمة الاشراق

الأشقياء إلى الأجساد الحيوانيّة منتقلة من بعض الحيوانات إلى بعض ، دون المعادن والنّبات . وإذا عرفت ذلك ، فاعلم ، أنّ النّفس لمّا كانت حادثة بحدوث البدن ، كان المزاج البدنىّ باستعداده الخاصّ استدعى وجودها من المفارق وتعلّقها به . فذلك قال : النّور الإسفهبذ ، استدعاه المزاج البرزخىّ باستعداده المستدعى لوجوده ، فله إلف مع صيصيته ، لأنّها استدعت وجوده ، ولما وصل إليه أيضا ، بسببها من اللّذات البدنيّة والرّاحات الجسميّة ، وكان علاقته مع البدن لفقره في نفسه ، أي : لإخراج ما فيه من القوّة إلى الفعل . فلو لا أنّ فيه ما بالقوّة ، ما تعلّق به ، إذ ليست الحكمة في هذا التّعلّق إلّا الإخراج المذكور ، ونظره إلى ما فوقه ، من الذّوات القدسيّة ، لنوريّته ، المناسبة لنوريّة ما فوقه ، فلا ينقطع نظره عنه ، لما بينهما من المناسبة النّوريّة . والصّيصية هي مظهر لأفعاله وحقيبة لأنواره ، العرضيّة الّتى في الأرواح الحيوانيّة والنّفسانيّة ، ووعاء لآثاره ، الرّوحانية والجسمانيّة ، ومعسكر لقواه ، لاجتماعها فيه . والقوى الظّلمانيّة ، أي : البدنيّة ، لمّا عشقته ، لكونه أصلها ، وهي فروع له ، مع أنّ للسّافل إلى العالي عشقا به ، تشبّثت به تشبّثا عشقيّا ، وجذبته إلى عالمها ، البرزخىّ الظّلمانىّ ، عن عالم النّور البحت ، الصّرف ، ولذلك قال : الّذى لا يشوبه ظلمة برزخيّة أصلا ؛ فانقطع شوقه عن عالم النّور البحت إلى الظّلمات ، الّتى هي عالم الجسم والجسمانيّات . والصّيصية الإنسيّة خلقت تامّة يتأتّى بها جميع الأفاعيل ، وكان مزاجها أعدل الأمزجة ، واستعدادها لقبول الفيض العقلىّ أكمل من سائر الأبدان . ولكونها أتمّ وأعدل وأكمل من غيرها من الصّياصى ، صارت هي المتعلّق الأوّل وأوّل منزل للنّور الإسفهبذ . ثمّ إن لم يستكمل فيها ، انتقل في عالم البرازخ إلى غيرها من الصّياصى الحيوانيّة ، وهذا عند المشرقيّين . ولهذا يسمّون البدن الإنسانىّ باب الأبواب ، إذ منه تصدر النّفوس الإنسانيّة واردة على جميع أبدان الحيوانات إلى أن يحصل له الاستكمال