محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
451
شرح حكمة الاشراق
إنّما تكون من الجانبين ؛ وإذا كان كذلك ، فصحّ وجود ماهيّة جوهريّة ، هي المثال المرئىّ في المرآة . وإنّما كانت جوهريّة ، لقيامها بذاتها ، لا في محلّ لها مثال عرضىّ . وهو صورة زيد الحالّة في مادّته . والنّور النّاقص كمثال النّور التّامّ ، وفي بعض النّسخ : « للنّور التّامّ » . فافهم ، فإنّ فيه سرّا عظيما وخطبا جسيما . وذلك أنّ جميع الأشياء الّتى في العالم العلوىّ ، لها نظائر وأشباء في العالم السّفلىّ ، والأشياء تعرف بالأشباه والنّظائر . فالأنوار العرضيّة إذا عرفت حقائقها على ما ينبغي ، أعانت معرفتها على معرفة الأنوار المجرّدة الجوهريّة . والغرض من هذا كلّه ، أن يعرف أن النّور النّاقص العرضىّ الّذى لشمس عالم الحسّ ، هو مثال للنّور التّامّ الجوهرىّ شمس عالم العقل ، نور الأنوار . وعلى هذا يكون نور كلّ كوكب عرضىّ مثالا لنور مجرّد جوهرىّ . وهذا باب واسع ، وفيه أذواق كثيرة ، فلذلك أمر بالفهم . وكما أنّ الحواسّ كلّها ترجع إلى حاسّة واحدة وهي الحسّ المشترك ، فجميع ذلك ، أي : القوى البدنيّة الظّاهرة والباطنة المدركة والمحرّكة وغيرها ، من القوى المشتركة بين النّبات والحيوان ، وهي الغاذية والنّامية والمولّدة وخوادمها إلى غير ذلك ، كلّها ، ترجع في النّور المدبّر إلى قوّة واحدة ، هي ذاته النّوريّة الفيّاضة لذاتها . والإبصار وان كان مشروطا فيه المقابلة ، للمبصر ، مع البصر ، إلّا أنّ الباصر فيه ، في الإبصار ، النّور الإسفهبذ . ولمّا استشعر أن يقال : إذا كان هو الرّائى لجميع المرئيّات ( 229 ) والمشاهد لجميع الأمور العقليّة والخياليّة المثاليّة والحسّيّة ، فكيف لا يرى الأحوال الأخرويّة قبل مفارقة البدن ؟ قال : وإنّما لا يرى ، النّور الإسفهبذ ، أشياء أخرويّة ، قبل المفارقة ، البدنيّة ، لأنّ الشّىء قد يعرض له ما يشغله عن إبصار ما من شأنه أن يبصره ، والشّاغل في حكم الحجاب . فالنّور الإسفهبذ قبل المفارقة ، لاشتغاله بالعلائق البدنيّة والعوائق الحسيّة و