محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

19

شرح حكمة الاشراق

دوام الأنواع العنصريّة بدوام السّماوات والأرض ، ويلزم من دوام الأنواع مع العناية الإلهيّة دوام الخلافة والخليفة أيضا ، وهو المطلوب . والاختلاف بين متقدّمى الحكماء ومتأخريهم إنّما هو في الألفاظ واختلاف عاداتهم في التّصريح والتّعريض ، لما علمت أنّ الأوائل كانت عادتهم أن يرمزوا في كلامهم أو يعرّضوا في حكمهم ، لأن أكثر المطالب الحكميّة لا يجوز أن تلقى إلى الجمهور مكشوفة غير مغطّاة بأغطية مثاليّة وحجب رمزيّة ، لما فيه من الفوائد المذكورة ، والكلّ ، من متقدّمى الحكماء ومتأخّريهم ، قائلون بالعوالم الثّلاثة ، عالم العقل وعالم النّفس وعالم الجرم . وأفلاطن يسمّى الأوّل ، تعالى ، عالم الرّبوبيّة . فإن أراد المصنّف ذلك ، فيسقط عالم الجرم ، لأنّه محسوس لا يحتاج إلى الإثبات ، متّفقون على التّوحيد . [ أي كلّ الحكماء أيضا متفقون على التّوحيد . ] وهو أنّه ، تعالى واحد من جميع الوجوه ، لا نزاع بينهم في أصول المسائل ، أي في المسائل المهمّة الّتى هي الأمّهات ، كقدم العالم وصحّة المعاد وثبوت السّعادة والشّقاوة ، وأنّه ، تعالى ، عالم بجميع الأشياء ، وأنّ صفاته عين ذاته ، وأنّه يفعل بالذّات ، وأمثال ذلك من أصول المسائل الحكميّة وأمّهاتها . وأمّا الفروع فقد يقع الخلاف فيها ؛ لاختلاف مآخذها . والمعلّم الأوّل ، يعنى : أرسطوطاليس ، وإن كان كبير القدر ، عظيم الشّأن ، بعيد الغور ، تامّ النّظر ، لا يجوز المبالغة فيه على وجه يفضى إلى الإزراء بأستاذيه . كأنّه يشير إلى الشّيخ أبى علىّ بن سينا ، حيث قال في آخر منطق الشفاء في تفخيم [ قدر ] أرسطوطاليس وتعظيم شأنه - بعد أن نقل عنه ما معناه - « إنّا ما ورثنا عمّن تقدّمنا في الأقيسة إلّا ضوابط غير مفصّلة . وأمّا تفاصيلها وإفراد كلّ قياس بشروطه وضروبه وتمييز المنتج عن العقيم ، إلى غير ذلك من الأحكام ، فهو أمر قد كددنا فيه أنفسنا وأسهرنا [ فيه ] أعيننا ، حتّى استقام على هذا الأمر . فإن وقع لأحد ممّن يأتي بعدنا فيه زيادة أو إصلاح فليصلحه أو خلل فليسدّه » ، « انظروا -