محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
17
شرح حكمة الاشراق
وعلى هذا يبتنى قاعدة الشّرق في النّور والظّلمة الّتى كانت طريقة حكماء الفرس ، مثل جاماسف وفرشاد شتر ، في بعض النّسخ : « فرشاد شير » ، وبرزجمهر ومن قبلهم ، أي : وعلى الرّمز يبتنى قاعدة أهل الشرق ، وهم حكماء الفرس القائلون بأصلين ، أحدهما نور والآخر ظلمة ، لأنّه رمز على الوجوب والإمكان . فالنّور قائم مقام الوجود الواجب ، والظّلمة مقام الوجود الممكن ، لا أنّ المبدأ الأوّل اثنان ، أحدهما نور والآخر ظلمة ، لأنّ هذا لا يقوله عاقل ، عن فضلاء فارس الخائضين غمرات العلوم الحقيقيّة . ولهذا قال النبىّ عليه السلام في مدحهم : « لو كان الدّين بالثّريّا لتناولته رجال من فارس » . وقد أحيى المصنّف حكمهم ومذاهبهم في هذا الكتاب ؛ وهو بعينه ذوق فضلاء يونان ، وهاتان الأمّتان متوافقتان في الأصل . وهم ، كما ذكر ، مثل جاماسف تلميذ زردشت ، وفرشاد شتر ، وبزرجمهر المتأخّر ، ومن قبلهم ، مثل الملك كيومرث وطهمورث وأفريدون وكيخسرو وزرادشت من الملوك الأفاضل . وقد أتلف حكمهم حوادث الدّهر ، وأعظمها زوال الملك عنهم ، وإحراق الإسكندر الأكثر من كتبهم وحكمهم . والمصنّف لمّا ظفر بأطراف منها ، ورآها موافقة للأمور الكشفيّة الشّهوديّة ، استحسنها وكمّلها . وقاعدة الشّرق في النّور والظّلمة هي ليست قاعدة كفرة المجوس ، القائلين بظاهرا النّور الظّلمة وأنّهما مبدءآن أوّلان ، لأنّهم مشركون ، لا موحّدون . وكذا كلّ من يثبت مبدأين مؤثّرين في الخير والشّرّ ، كالقدريّة ، حكمهم حكمها . وكأنّه إلى هذا المعنى أشار بقوله عليه السّلام : « القدريّة مجوس هذه الأمّة » ، وإلحادمانى ، أي وليست أيضا قاعدة إلحادمانى ، البابلىّ ، الّذى كان نصرانىّ الدّين ، مجوسىّ الطّين ، وإليه ينتسب الثّنويّة القائلون بإلهين ، أحدهما إله الخير وخالقه ، وهو النّور ، والآخر إله الشرّ وخالقه ، وهو الظّلمة . والإلحاد : تجاوز الحقّ وتعدّيه ، لتجاوزه عن الواحد الحقّ وتعدّيه إلى التّثنية الباطلة . وما يفضى إلى الشّرك باللّه ، تعالى وتنزّه ، أي وليست أيضا قاعدة ما يفضى إلى الشّرك باللّه تعالى وتنّزه ، كقواعد مذهب بعض المشركين من الملّيين و