محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
384
شرح حكمة الاشراق
بالحركات . فإذا تحرّكت حركة وطلبت بها نسبة معيّنة عقليّة ، فلا بدّ وأن يفيض العقل المفارق الهيئة النّوريّة الرّوحانيّة أو الظّلمانيّة الجسمانيّة المناسبة لما تقتضيه تلك الحركة على كلّ قابل مستعدّ لتلك النّسبة من الجواهر النّفسانيّة والجسمانيّة . فتحدث تلك النّسبة على ما يقتضيه الفاعل والقابل ، وهو إنّما يستعدّ لقبول الفيض بنفوذ أنوار الكواكب في الأجرام لذي الأوضاع المختلفة ، وهو المراد من تأثير الأجرام الفلكية . ولمّا لم يمكن لها ، أي للأفلاك ، دفعة واحدة ، الجمع بين جميع الأوضاع ، لاستحالة اجتماع بعضها مع البعض ، كالمقارتة مع المقابلة وغيرهما ، والكواكب كلّ منها يحجب بعضها عن بعض ، أي : لكثافتها ، فلا يمكن مقابلة بين الكلّ ، كلّ الكواكب ، وعدم حجاب ومناسبة بين الجميع ، جميع الكواكب ، كما في عالم القواهر ، إذ في البرازخ أبعاد وحجب ، بخلاف عالم القواهر الّذى لا بعد فيه ولا حجاب ، فحفظت ، الأفلاك ، ذلك ، الجمع بين الأوضاع الموجبة لحدوث جميع المناسبات ، كما قرّرنا ، على سبيل البدل ، حتّى تصير آتية في الأكوار والأدوار على جميع المناسبات على طريق التّعاقب والاستيناف . وذلك لأنّ الأفلاك إذا أخذت في الحركات من أوّل الدّور محصلّة للنّسب العقليّة الّتى تريد استيفاءها ، تستوفيها شيئا فشيئا على التّرتيب العقلىّ الّذى في الأنوار المجرّدة . وإذا تمّ الدّور باستيفائها النّسب الموجودة العقليّة الّتى يمكن التّشّبه بها ، وهبطت بأسرها إلى العالم الجسمانىّ ، ويتمّ ذلك في الألوف الجمّة العظيمة ، فقامت « القيامة » أي : « الكبرى » ، وإلّا فمن مات فقد قامت قيامته ، لكنّها « الصّغرى » ثمّ تستأنف الأفلاك دورا آخر ( 194 ) لتحصيل تلك المناسبات مرّة أخرى ، شيئا فشيئا ، على التّرتيب حتّى تأتى عليها مرّة أخرى ، وهكذا إلى غير النّهاية ، كلمّا استوفت تحصيل المناسبات العقليّة المترتّبة بالحركات على التّدريج ، استأنفت دورا آخر . هذا مذهب الإشراقييّن .