محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

358

شرح حكمة الاشراق

حتّى قال : « إنّ كلّ قطرة من المطر ينزل معها ملك » . ولجزم حكماء الفرس بوجود أرباب الأصنام ، سمّوا كثيرا منها . حتّى أنّ الماء كان عندهم صاحب صنم من الملكوت وسمّوه « خرداد » ، وما للأشجار سمّوه « مرداد » ، وللنّار سمّوه « ارديبهشت » ، وهو العقل ، المدبّر لنوع النّار والحافظ لها والمنوّر إيّاها ، وهو المدبّر ، لصنوبرتها ، والجاذب للّدهن والشّمع إليها . وكذا كانوا يثبتون لكلّ نوع جسمانىّ ربّ صنم ذا عناية عظيمة به ، هو المدبّر له والمنمى والغاذى والمولّد . ولامتناع صدور هذه الأفعال المختلفة في النّبات والحيوان عن قوّة بسيطة لا شعور لها ، وفينا عن أنفسنا ، وإلّا لكان لها شعور بها . فجميع هذه الأفعال من أرباب الأصنام . وهي الأنوار الّتى أشار إليها أنباذقلس وغيره ، من كبار الحكماء المتألّهين ، كهرمس وفيثاغورس وأفلاطون وأمثالهم ، الذّاهبين إلى أنّ لكلّ نوع من الأجسام عقلا ، هو نور مجرّد عن المادّه ، قائم بذاته معتن به ، ومدبّر له وحافظ إيّاه . وهو كلىّ ذلك النّوع : إمّا بمعنى أنّ نسبة هذا العقل ، وهو ربّ النّوع ، إلى جميع أشخاص نوعه المادّىّ على السّواء في اعتنائه بها ودوام فيضه عليها ، وإمّا بمعنى أنّ ربّ النّوع أصل ذلك النّوع ، كما يقال كلّىّ ذلك الأمر كذا ، ويعنون به الأصل والمعوّل عليه . ولكون ربّ النّوع أصله ، قيل : إنّه كلّىّ ذلك النّوع ، وإمّا بمعنى أنّ ربّ النّوع لا مقدار له ولا بعد ولا جهة . كما يقال للعقول والنّفوس كلّيّات بهذا المعنى ، لا بمعنى أنّ ربّ النّوع - الّذى هو عندهم له ذات متخصّصة لا يشاركه فيها غيره - نفس تصوّر معناه لا يمنع عن وقوع الشّركة فيه ، حتّى يلزمهم أن يكونوا قد حكموا على الجزئىّ المجرّد عن المادّة - وهو ربّ النّوع - بأنّه كلّىّ ومادّىّ ، لوجوده في موادّ كثيرة هي أشخاصه . وإلى هذا أشار بقوله . ولا تظنّ أنّ هؤلاء الكبار أولى الأيدي والأبصار ، ذهبوا إلى أنّ الإنسانيّة لها عقل هو صورتها الكلّيّة ، وهو ، ذلك العقل المتشخّص ( 181 ) موجود بعينه في الكثيرين ، فكيف يجوّزون أن يكون شئ ، وهو ذلك العقل ، ليس متعلّقا بالمادّة ، ويكون ، ذلك