محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

351

شرح حكمة الاشراق

هو أنّ الإبصار إنّما كان بمجرّد إضافة ظهور الشّىء للبصر مع عدم الحجاب . فإضافته إلى كلّ ظاهر له إبصار وإدراك له ، وتعدّد الإضافات العقليّة ، الّتى له إلى الأشياء الكثيرة ، لا يوجب تكثّرا في ذاته . لما سبق تقريره ، من أنّه لا يلزم من تعدّد الإضافات التّكثّر إذ يلزمه إضافة واحدة هي إضافة المبدئيّة يصحّح جميع الإضافات ، ولا من تغيّر الإضافات تغيّر المضاف إليه ، فإنّ بانتقال ما على يميننا إلى يسارنا يتغيّر إضافتنا إليه دون ذواتنا في أنفسها كذلك علمه بالأشياء لمّا كان حضوريّا إشراقيّا لا بصورة في ذاته ، فلا يلزم من بطلان الشّىء الإضافة تغيّر في ذاته تعالى ، فإنّه إذا وجد زيد علمه بالحضور الإشراقى ، وحدث له إضافة المبدئيّة إليه وإذا لم يبق زيد ، بطلت إضافة المبدئيّة من غير تغيّر في نفسه . وأمّا العناية ، على ما ذكر المشّاؤون ، فلا حاصل لها ، لما عرفت . وأمّا النّظام ، العجيب الموجود في العالم ، فلزم من عجيب التّرتيب ، الّذى بين المجرّدات العقليّة والنّسب اللّازمة عن المفارقات وأضوائها المنعكسة ، من بعضها إلى بعض ، كما مضى ، لا من العناية كما ذكروه ( 177 ) . وهذه العناية ممّا كانوا يبطلون بها قواعد أصحاب الحقائق النّوريّة ذوات الطّلسمات ، أي مذاهب القدماء القائلين بالمثل النّورية ، بأن قالوا : علّة الوجود والنّظام الجسمانىّ هو العناية الّتى نقول بها ، لا المثل الّتى يقولون بها ، وهي في نفسها غير صحيحة ، على ما عرفت . وإذا بطلت ، العناية وكونها علّة النّظام الجسمانىّ ، تعيّن أن يكون ترتيب البرازخ عن ترتيب الأنوار المحضة وإشراقاتها المندرجة في النّزول العلّىّ الممتنع في البرازخ ، لامتناع أن يكون جسم علّة جسم . واعلم : أنّه إذا كان في سطح مّا سواد وبياض ، يترا اى البياض أقرب ، لأنّه أشبه بالظّاهر الأشبه بالقريب ؛ والسّواد أبعد لمقابل مّا قلنا ، أي : أشبه بالخفىّ الأشبه بالبعيد . فالبياض مشاكل للنّور والسّواد للظّلمة ، ولهذا يلوح على البياض سائر الألوان ، [ كما ترى في النّور سائر الألوان ] ولا يظهر على السّواد لون أصلا كما