محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
329
شرح حكمة الاشراق
والرّابع ، من حيث هو كمال ، لأنّه إذا أدرك حصول الكمال من لا يعتقد كماليّته لا يلتذّ بحصوله ولا بحصول ما هو كمال من جهة دون أخرى ، إلّا إذا أدرك من الجهة الّتى هو بها كمال دون الجهة الأخرى . والخامس ، حاصل له ، لأنّ اللّذة ليست إدراك اللّذيذ ، بل إدراك حصوله للملتذّ . فالغافل عن حصول الكمال لا يلتذّ ، لما مرّ تقريره . وكلّ لذّة للّاذّ إنّما هي بقدر كماله وإدراكه لكماله . فكلّما كان الكمال أتمّ والإدراك أشدّ ، كانت اللّذة أقوى . ولمّا كان كمال نور الأنوار ، الّذى جميع الكمالات العقليّة والحسّية رشح منه أتمّها ، وإدراكه الّذى هو ظهوره أشدّ الادراكات ؛ وإليه الإشارة بقوله : ولا أكمل ولا أجمل من نور الأنوار ، ولا أظهر منه لذاته ولغيره ، فلا ألذّ منه لذاته ولغيره ؛ وإنّما خفى علينا ، مع أنّه لا أظهر منه لغيره ، لأنّ شدّة ظهوره حجابه ؛ فظهوره سبب بطونه ، وقوّة نوره حجاب نوره ، فإنّ ما جاوز حدّه شابه ضدّه . وكذا حكم العقل والنّفس ، فإنّ ظهورهما سبب بطونهما ، لأنّهما نور ، وحقيقة الظّهور الّذى لا يمكن خفاؤه بالنّسبة إلى ذاته وغيره إن لم يكن مانع . وهو عاشق لذاته فحسب ، لمّا مرّ من أنّه لا يعشق غيره ، ومعشوق لذاته وغيره . وفي سنخ النّور النّاقص ، أي أصله ، وهو النّور السّافل ، عشق إلى النّور العالي ، الّذى هو علّته وينبوعه ، وفي سنخ النّور العالي ، لكونه أكمل ، قهر للنّور السّافل ، لكونه أنقض . وكما لا يزيد ظهور نور الأنوار لذاته على ذاته ، لأنّ ذاته المقدّسة ليست شيئا ذا ظهور حتّى يكون الظّهور زائدا عليها أو جزء منها ، بل هي نفس الظّهور والنّوريّة المحضة الّتى لا يشوبها شئ من الأجزاء واللّوازم النّوريّة والظّلمانيّة . فلا يزداد لذّته وعشقه على ذاته . وكما لا يقاس نوريّة غيره من الأنوار ، إليه ، لشدّته وكماله الغير المتناهى ، فلا يقاس لذّة غيره وعشق غيره إلى لذّته بذاته وعشقه لذاته ، ولا عشق الأشياء وتلذّذها بغيره ، بغير نور الأنوار ، إلى عشقها وتلذّذها به ، بنور الأنوار ، لكونه أكمل وأجمل ،