محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )

327

شرح حكمة الاشراق

للشّمس لا تكون إلّا مباينة للبصر على مسافة بعيدة حيث كانت الشّمس ، كما سبقت الإشارة إليه ، في مباحث الرّؤية ، من أنّها ليست بالانطباع ، حتّى تكون المشاهدة أيضا حيث العين . ولو كان الجفن نوريّا أو كانت الشّمس في القرب مثل الجفن ، لزاد الشّعاع والمشاهدة أيضا ، لما تبيّن في القاعدة السّابقة : أنّ المستنير كلّما كان أقرب كان أولى بالمشاهدة . فصل [ 5 ] في أنّ لكلّ نور عال قهرا بالنّسبة إلى النّور السّافل وللسّافل محبّة بالنّسبة إلى العالي وبهما انتظم الوجود كلّه النّور السّافل من حيث المرتبة ، لا يحيط بالنّور العالي ، أي لا يتمكّن من الإحاطة بما هو أعلى مرتبة منه واكتناهه ، فإن النّور العالي ، لشدّة نوريّته ، يقهره ، أي النّور السّافل ويغلبه لضعفه . أمّا ليس لا يشاهده . أي ليس السّافل لمقهوريّته لا يشاهد العالي ، بل يشاهده لما علمت أنّ من خواصّ النّور المجرّد مشاهدة جميع الأنوار المجرّدة ، لعدم الحجاب بينها ، وإن لم يتمكّن من الإحاطة به ، كما لا يتمكّن النّور البصرىّ ، لضعفه عن الإحاطة بالشّمس ، لشدّة نوريّتها ، ومع ذلك فإنّه يشاهدها . وكذا النّور العرضىّ يحيط الأشدّ منه بالأضعف ويغلبه ، حتّى ربما يتوهّم عدمه . ألا ترى أنّ نور الشّمس يخفى أنوار الكواكب ، لاستيلائه عليها بحيث يتوهّم عدمها ، وإن كانت موجودة قد طمستها شدّة إشراق نور الشّمس . والأنوار إذا تكثّرت ، فللعالى على السّافل قهر ، لما علمت . وللسّافل إلى العالي شوق . وهو ، أي : شوق السّافل حركته إلى تتميم كمال عقلىّ ، وكلّ مشتاق إليه لا بدّ وأن يكون حاضرا من وجه ، غائبا من آخر ، والمشتاق قد نال من جهة حضوره شيئا ، وفاته من جهة غيبته شئ آخر ، وعشق . وهو ، أي عشق السّافل ، محبّة مفرطة إلى من هو أتمّ كمالا منه عنده فيما يعشقه . هذا وأمّا الشّوق المطلق ، فهو حركة إلى تتميم كمال عقلىّ أو ظنىّ أو تخيّلىّ أو غيرهما ؛ والعشق المطلق هو