محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
311
شرح حكمة الاشراق
وأمّا كمالات الأنوار المجرّدة الممكنة وإن كانت أيضا غير زائدة على ذواتها النّوريّة ، فهي معلولة ، فتحتاج كمالاتها الّتى هي ماهيّتها النّوريّة الممكنة إلى مخصّص هو موجدها ومفيضها ومخرجها من العدم إلى الوجود . وللذهنىّ ، وللأمر الذّهنىّ ، كالماهيّة ، مثلا ، اعتبارات ، ككونها مشتركة فيها بين كثيرين ، لا تتصوّر على العينىّ ، أي : الأمر الخارجىّ ، لأنّه جزئىّ يمتنع حمله على كثيرين . وما قيل : « إنّ القائم بذاته ، أي : الجوهر ، جسمانيّا كان أو روحانيّا ، لا يقبل الكمال والنّقص » أي : الشّدّة والضّعف ، تحكّم ، قد سبقت الإشارة إليه ، من أنّه تحكّم خيالىّ ، لا تحكّم عقلىّ ، وأنّ الجوهر يقبل الشّدّة والضّعف والكمال والنّقص . ولمّا أطلق الكمال في قوله : « فما وراء نور الأنوار كماله ونقصه بسبب فاعله » ، استشعر أن يقال : « هذا الحكم ليس على إطلاقه ، لأنّه قد يكون بسبب قابله » استدرك ما قال وقال : بلى ، أي : ما ذكرت هو حكم الأنوار المجرّدة ، لا مطلق الأنوار ، إذ الأنوار العارضة على الأنوار المجرّدة الّتى سنشير إليها يكون التّفاوت بينها من وجهين : رتبة الفاعل والقابل . فإنّ الشّعاع الفائض من نور الأنوار على النّور الأوّل أكمل من الفائض من الأوّل على الثّانى ، لكون المفيض والمستفيض في الأوّل أشدّ فعلا وأتمّ قبولا منهما في الثّانى . فثبت أنّ أوّل حاصل بنور الأنوار واحد ، وهو النّور الأقرب والنّور العظيم . وربّما سمّاه بعض الفهلويّة ، وفي بعض النّسخ : بعض الفهلوة ، « بهمن » . وزعم الحكيم الفاضل زرادشت : « أنّ أوّل ما خلق من الموجودات : بهمن ، ثمّ ارديبهشت ، ثمّ شهريور ، ثمّ اسفندار مذ ، ثمّ خرداد ، ثمّ مرداد . وخلق بعضهم من بعض ، كما يؤخذ السّراج من السّراج ، من غير أن ينقص من الأوّل شئ » ، ورآهم زرداشت ، أي اتّصل بهم واستفاد منهم العلوم الحقيقيّة . فالنّور الأقرب فقير في نفسه ، لكونه ممكنا في نفسه ، محتاجا إلى غيره ، غنىّ بالأوّل ، لكونه واجبا به فقط ، مستغنيا عن غيره . ووجود نور من نور الأنوار ، ليس