محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
298
شرح حكمة الاشراق
والغاسق أخسّ وفي جهة . فإن كان النّور المجرّد فاقرا في تحققه ، فإلى نور قائم ، يكون افتقاره ، وهكذا يفتقر هذا النّور المفتقر إليه إلى نور آخر مجرّد قائم بذاته ، ثمّ لا تذهب الأنوار القائمة المترتّبة سلسلتها إلى غير النّهاية ، لما عرفت من البرهان الموجب للنّهاية في المترتّبات المجتمعة . فيجب أن تنتهى الأنوار القائمة والعارضة والبرازخ وهيئآتها إلى نور مجرّد عن جميع الموادّ قائم بذاته ، ليس وراءه نور . وهو نور الأنوار ، لأنّ جميعها منه ، والنّور المحيط ، بجميع الأنوار ، لشدّة ظهوره وكمال إشراقه ونفوذه فيها للطفه ، والنّور القيّوم ، لأنّ قيام الجميع به ، والنّور المقدّس ، أي المنزّه عن جميع صفات النّقص ( 150 ) حتّى الإمكان ، والنّور الأعظم الأعلى ، إذ لا أعظم ولا أعلى منه ، وهو النّور القهّار ، لجميع الأنوار ، لشدّة إشراقه وقوّة لمعان نوره الغير المتناهى شدّة وقوّة . إذ سائر الأنوار المجرّدة العقليّة أشعّة ضعيفة من لمحات إشراق شمسه وتلويحات لمعان برقه ، غير منفصلة عنه ، بل متّحدة به نوعا من الاتّحاد . واعتبره باتّحاد نور الكواكب وأشعّتها في النّهار بنور الشّمس وشعاعها ، والنّور العظيم العالي مشتمل على الكلّ ، ضرورة اشتمال النّور الأشدّ ، وإحاطته بالأضعف كإحاطة نور الشّمس بنور الكواكب ، فتصير الأنوار كلّها كأنّها جوهر واحد ، لأنّها أنوار محضة ، لا ظلام فيها ولا تباين بينها . ولشدة نوريّتها وقوّة إشراقاتها وإفراط ظهورها ، تتجافى عنها الحواسّ وتنبو منها القوى ، فلا يدركها الأبصار ، ولا يجول فيها الخيال ، ولا تنفذ فيها الأوهام ، ولهذا لا يصل إلى إدراكها أكثر الأنام . ( وحدانية الباري تعالى شأنه ) ولمّا فرغ من إثبات الواجب ، إراد أنّ يشرع في إثبات وحدانيّته ، فقدّم عليه مقدّمة ، وهي قوله : وهو الغنىّ المطلق ، إذ ليس وراءه شئ من المراتب العليّة ليفتقر إليه ، فلا يكون غنيّا مطلقا . وهو الّذى لا يفتقر في ذاته ولا في كمال له إلى غيره