محمود الكازروني ( قطب الدين محمود الشيرازي )
293
شرح حكمة الاشراق
فإن كان شئ مّا مدركا منهما لذاته ، فلا يكون ، ذلك المدرك ، الّا ماله ذاته منهما ، أي : إلّا الّذى ذاته له ، من الهيئة والبرزخ . لكنّ الّذى ذاته لغيره ، وهو الهيئة كيف ما كانت ، يمتنع أن يدرك ذاتها ، لما سبق . فالمدرك : الآخر ، وهو البرزخ ، لأنّ ذاته له ، إذ ليس هيئة في الغير ، فيكون ذاته لذلك الغير . فإنّ البرزخ والهيئة شيئان ، لكلّ ذات وخاصيّة مّا ليست للأخرى ، فإنّ ذات أحدهما له وذات الآخر لاخر ، لا شئ واحد ، له ذات واحدة ، فيمنع به كونهما ذاتين ، كما ذكرنا . ودريت أنّه ، أي : البرزخ ، غير ظاهر في نفسه ، لكونه مظلما . وإذا لم يكن ظاهرا في نفسه لا يكون ظاهرا لنفسه . وإذا لم يكن ظاهرا لنفسه لا يكون مدركا لها ولا لغيرها ، وهو المطلوب . إيضاح آخر لما مضى في الفصل السّابق . وإنّما زاده إيضاحا ، لكونه من العلوم الشّريفة والمسائل المهمّة . نقول : يجوز أن يكون شئ يظهر الشّىء لغيره ، كالنّور العارض للمحلّ ، كنور الشّمس ، مثلا ، المظهر للمحلّ ، أي لجسمها ، للأبصار ، أو كالنّور العارض للمحلّ المظهر للأبصار ألوان الأجسام وأشكالها ومقاديرها . وليس يلزم من ظهوره لغيره ، ولا من اظهاره غيره لغيره ، ظهوره لذاته . أي : إدراكه لها . وإذا كان شئ أظهر أمرا لغيره ينبغي أن يكون ذلك الغير ظاهرا لنفسه ، أي : مدركا لها ، حتّى يظهر عنده أمر مّا ، فإنّ ظهور الشّىء للشّىء فرع على ظهوره في نفسه لنفسه . وإذا تقرّر هذا ، فنقول : لا يجوز أن يكون أمر يظهر الشّىء لنفس ذلك الشّىء على أن يصير به ، بذلك الإظهار ، الشّىء ظاهرا عند نفسه ، أي : مدركا لها ، إذ لا أقرب من نفسه إلى نفسه ، وقد خفى نفسه على نفسه ، وخفاء نفسه على نفسه لنفسه ، فلا يظهر نفسه لنفسه شئ مّا أبدا . كيف ويستدعى إظهار غيره نفسه لنفسه أن تكون نفسه ظاهرة لنفسه قبل ذلك ، أي : قبل إظهار غيره نفسه لنفسه .